ياسر شعبان


الشاعر المصرى 
ياسر شعبان

لأجل الذين يحبوننى 
” إلى المطر الخفيف – دائما
وكل الأشياء ممكنة “
ولأن الباب مغلق والشباك والراديو والحنفيات ولا يوجد أحد فى الخارج على أبواب البيوت وفى الشوارع والمقاهى مغلقة ومطر خفيف يسقط منذ الصباح …
خلعت ملابسى وألقيت البنطال على الأرض والقميص على كومة الكتب المتربة على الكرسى المكسو بجلد باهت وصعدت درجات السلم العشرة ببطء شديد مغمض العينين ووقفت فوق السطح عاريا تماما أتمتم بالحكمة وأمر على صهريج الماء الفارغ مرات كثيرة جدا ولا أبتسم .
لأنه فى آخر مرة لما صعد إلى السطح على أطراف أصابعه كالعادة بعد منتصف الليل عاريا وبعد ساعتين من الحديث المتواصل الذى يحتد حينا فتعلو نبرة صوته ويهدأ فيهمس … سمع خروشة فى الصهريج وأنفاسا لاهثة – بالطبع - … فكر فى كل شئ حتى العفاريت .. ولما رفع الغطاء انتفض جسمان عاريان ملتصقان تماما .. قال قوما ولم يقوما .. مد يده يشدهما والجلد ملتهب جدا ومبلول .. قالا لن تقول لأحد .. فقبل البنت قبلة طويلة جدا وضغط نهديها بين كفيه تماما وسحب الغطاء الصاج وهما يتسللان على أطراف أصابعهما ابتسمت وأشارت إليه وبنطالها ملتصق تماما بفخذيها ونهداها مازالا نافرين تحت بلوزتها الخضراء والولد يشدها من يديها وتتعثر قدمه فى قدمه .. ويزمجر .. فكيف أرتب الأشياء التى تتدافع على دماغى .. ربما غرفتى هى السبب فكل الذين دخلوها قالوا فى وجهى ” تصلح مقلبا للقمامة ” ولا أحد فى انتظارى والعجائز لما يفسرون الأحلام يضحكننى .. يا سلام فربما ما أنا فيه حلم وربما الصور على الحيطان ليست صورا والماء الذى يندفع من الحنفيات … وأشياء كثيرة من ثرثرتهن تصيب وأحلام أمى لا تنزل الأرض مطلقا .. فما تراه فى الليل حتما يتحقق فى النهار ” أى نهار ” فلماذا إذن كل الأشياء تخدعنى الباب المغلق والشباك المغلق والناس الذين لم يعودوا فى الخارج والحنفيات التى لم تهتز لمرور الماء والمطر الخفيف الذى يسقط من أول النهار .. إنى محير جدا والله … فكل لحظة أقول لو توقف أخرج ولو ازداد انكمش تحت الغطاء المتسخ … ولماذا لم أضرب الولد وأقيده إلى مواسير الصهريج لأنفرد بالبنت وأقول لها الكثير عن فن الهوى والخلق الذين يعيشون هكذا وآخر الليل يدسون اللحم فى اللحم وكيف قال زوربا إن بين فخذى أية أنثى جرح لا يلتئم والله حتما يعذب من يتخلى عن أنثى تتلوى فى فراشها .. وأقول ويحرق التى لا تمنح جسمها للذى اشقته الأبواب المغلقة والحيطان المهترئة والسقوف العالية جدا وأيضا موزة خشنة بين الفخذين وذيل تيس فى المؤخرة جنون جميل فهل تقبلين ..وقالت له آخر مرة أنت تبدو أرنبا مسلوخا بلا أحشاء وكاد يتقيأ وضحكت بخلاعة وهى تفك أزرار بنطاله وكتب على مرآة الحمام  ” أنت مقبرة ” فدعى روحى تفر من وطأة جسمك … وقالت لصاحبتها إنه ميت وقبضته الباردة جدا لما تنغرس فى لحمى لا أرى شئيا .. إنه سمين وشاحب وابتسامته حية جدا والله .. وليس فى الإمكان إلا أن تحبيه …
وفتحت باب حجرتى فوقفت مستندة بكوعها على خشب المكتبة البنى المحروق وتحته تماما حفرت وجوها مفزعة وجذوعا محنية ولا شئ آخر لتعرفوا لماذا ؟! وفتحت فمها وعينيها فتوقعت جملة يقولها الناس رغما عنهم على باب حجرتى وأنها ستقولها وهى تضغط على الحروف وتمطها وتضحك بعدها ضحكة تدفعنى للتقيؤ
كتب على الأرض والكراسى التى خرجت أحشاؤها وورق وأتربة وذباب ميت وملابس وبقع شاى ووجه منفجر على قطعة قماش بيضاء محوطة بإطار خشبى .. قالت .. من هذه التى انفجر وجهها .. هذه الحية تماما .. وتلفت أبحث عن مكان ألقى عليه ملابسى الداخلية ودفعتنى فى صدرى واستلقت على ظهرها فوق كومة من الورق والكتب وقالت مزق ملابسى مزق ملابسى وعض شفتى أعصر نهدى وتتلوى قلت الله يعذب من تتلوى أمامه أنثى ولا يخفف آلامها / وموزة خشنة بين الفخذين وذيل تيس فى المؤخرة عمل رائع جدا وجذبتنى عليها .. ومزقت ملابسها فانفلت نهداها النافران واصطدما بعظام صدرى أوه .. أنت لا تفهمين أنا أستطيع – والله أستطيع – ولكننا لسنا حيوانات .. ألست أنت من حدثتها عن فن الهوى والإنسان الأرقى قليلا من الحيوانات وأدنى قليلا من الملائكة .. أوه .. لذة الوجع كل ما تبتغين .. هل تنكرين
.. وآخر مرة قال له أنت لا تفهم الله خلقهن هكذا بجرح بين الفخذين ومكمن النشوة مكمن الوجع وهذه ليست ماسوشية ولا تدعى أنك لما تمنحها لذة الوجع التى تبتغى ساديا .. كن طبيعيا .. فحياة الجسم حياة للروح ..
فتأوهت وعضت شفتها السفلى ودفعت ركبتى تحت فخذيها وجسمى الملتهب فى جسمها وتعاركنا لا نعرف أينا تحت وأينا فوق وما الورق الذى يتمزق أو الذى يغرق فى العرق ولما قمت لم أر فخذين عليهما دم فأخذت شهيقا عميقا وصعدت درجات السلم العشرة ببطء شديد مغمض العينين ومشيت على السطح أنطق بالحكمة وأمر على صهريج الماء مرات كثيرة وأسمع انفاسا لاهثة بالطبع ولا أتوقف .. جسمى خفيف وروحى ضائقة وثمة أولاد يضعون العلامات على أبواب الدور آخر الليل ويمر آخرون يطرقونها ولما يعودون لا يجدون أحدا فى انتظارهم فهل يصرخون نحن الذين وضعوا العلامات أم يضعون علامات أخرى ويرحلون ومن يستحق كل هذا .. فالبعيد عن الأصابع حتما يخون والخلق ينهشون بعضهم والأرض تنسى الأولاد الذين صرخوا بأناشيد الفداء والحرية فالموتى ليسوا بيننا فلا يهم وإن كانوا يسمعون وبالطبع يطلون الحوائط ليخفوا ما يشوهه حفر أسمائنا لأجل أولاد آخرين … أوووه .. يا غاندى كيف استطاع الأولاد المتطرفون قتلك وكيف اقتنع بروتس أن وجودى يا قيصر ضد وجود الوطن .. هكذا دائما الوطن والدين وبقية الكلمات الأخرى التى يموت من أجلها الأولاد ولا يفهمون والأنفاس لاهثة بالطبع .. أعود إلى حجرتى ورائحة البنت فى كل مكان أحكى لها عن أحلامى وكيف أنها تطاردنى كلما أغلقت عينى – ليست كثيرة – فمرة أخرج للطرقات حافى القدمين ومرة تصدمنى عربة مسرعة أو أسقط من مرتفع وأحلام أمى وأبى وأخى الصغير وثرثرات العجائز وضيقى بالأمكنة المفتوحة وكيف أننى الوحيد الذى يرتاح من هذه الحجرة وهل هناك أمل لأكون خالدا ..
وآخر مرة قال له ليس مهما ما يقول الناس عنى بعد موتى فماذا يضيرنى لو بنوا لى تمثالا ليضعوا عليه الورود أحيانا وأحيانا يبصقون عليه ويبولون أو دفنونى مع قتلى الحروب والمجاعات والأوبئة فى حفرة واحدة .. ماذا يهم لو قالوا كان رائعا وعظيما أو فليذهب للجحيم . المهم أحيا .. أحب الناس ويحبوننى أحب ما أفعل ويحبنى أعرف نوع الطعام الذى يستطيع جسمى أن يحوله إلى روح .. والله ليس مهما أن يخلدك الناس المهم تحيا…
وطبعا تتهمنى أننى أقول كلاما غامضا ومتعاليا لأبدو حكيما وتقول لى أنت تخيفنى بهذا الكلام وأننى لما أتكلم بهذه الطريقة أقامر بأنفاسى القليلة وأزداد شحوبا وشبها بأرنب مسلوخ بلا أحشاء وتقرف من جسمى وتخاف من بريق عينى وتحبنى لأن ابتسامتى حية جدا والله وترتعش وتقول احضنى بقوة .. فأنا أشعر أننى سأفقدك بسبب حماقتى فأتلفت أفتش عن مكان ألقى عليه ملابسى الداخلية وآخذ شهيقا عميقا .. وأصعد درجات السلم العشرة ببطء شديد مغمض العينين وأمر على الصهريج مرات كثيرة وأسمع خروشة وأنفاسا لاهثة بالطبع وأنطق بالحكمة وأبتسم وأهمس لهما من خلف الصاج … هيه  … الأبواب مازالت مغلقة والشبابيك والحنفيات ولا يوجد ناس على أبواب البيوت أو فى الشوارع والمقاهى مغلقة وثمة مطر خفيف يسقط منذ الصباح وكلام العجائز عن الأحلام يدفعنى للضحك وثرثرتهن تصيب أحيانا وأحلام أمى لا تنزل الأرض مطلقا وأنا أشعر أن كل الأشياء تخدعنى هيه .. أما زلتم موجودين ..!؟
 

” جسد بطوله “
إلي صديقي البديع مجدي الجابري
“متى سنتعلم أن نخجل من أنفسنا، ونعرف كم نحن مخدوعون؟!”
بالطبع لازم تخاف لمّا تلاقى نفسك في ممر طويل، ممكن تقول عليه أطول من كل عمرك إللي عدا أو أطول من نفسك المكروش، كله مرايات وتحس بإيد ضخمة وخفية بتدفعك أو تلمح حاجة كدا زى المية في أول الممر (أول الممر تعبير مش دقيق، لأنه ما كانش عارف بالضبط هو في أي حته من الممر، ولا يعرف خالص فين بدايته ولا نهايته، أما إللي يخلى “أول وآخر” مالهاش معنى هو عدم اعترافه بحكاية الأول والآخر دي، أو تسمع صدى صوت بيزمجر زى الوحش المجروح أو إللي بيدور على أنثى.
(ومش فاهم إيه بالضبط اللي خلاه يجري ويجري وهو بيتلفت حواليه وخايف موت ليبص وراه فيكتشف السر.. الإيد ـ الميه ـ الوحش، وخايف أكتر إنه لما يبص وراه ما يلقاش حاجة.. أو يلقى الضلمة مش مخبية حاجة…)
فتجري وتجري وكل ما تجري نَفَسك ينكرش أكتر ورجليك تلف حوالين بعضها، وعينيك تتملي بدموع.. ورغم كدا تجري..
(جايز إللي ورطه في موضوع الجري دا إنه كل ما يبص للمراريات يلاقي ناس تشبهله بتجري معاه.. جنبه وقدامه ووراه.. وجايز الأبواب المتغطية بالمرايات قدرت تغويه وهو المغرم بالأسرار والحاجات المستخبية تمام زى في لعبة الاستغماية وجايز الممر طمنه إنه مش راح يتوه..).
وتفضل تجري وتتهز وتتهز فيقع من جسمك: أبوك وأمك وإخواتك وأصحابك وبسرعة تشفطهم المرايات، وما تقدرش تضحك رغم إن المنظر يموت م الضحك فتتهز كمان.. وتتهز أكتر زى ما يكون من اللذة ـ فينبت جسمك ويبرعم جسمين تانيين.. زى ما يكونوا لسه مولودين، خارجين من القلب ومتشعلقين في الرقبة.. فيزيد الدمع ويوسع أكتر نِن العين.
(وهنا حيلف حوالين نفسه شوية، وينهمك في تجهيز مكانين في الجسم المنهوك ويحاول يضحك.. مش مالفرحة ـ لكنه بيحاول يروض المرايات، ويمكن يبكي كمان أو يتمسكن حتى ولو يقدر ياكل نار ينام على المسامير ويحط دماغه في حنك السبع مش راح يتأخر… وراح يتنهد ويقول: ” كله يهون… مجنون ـ ما يعرفش إن المرايات مالهاش قلب ولا عينين..) و وبالتأكيد راح تصرخ وأنت بتدور على طوبة تكسر بيها كل المرايات، وراح تصرخ أكتر وأكتر وأكتر… يااااه ملعون أبو المرايات… عشرات بيصرخوا معك في نفس اللحظة ـ آاااه ـ من غير صوت.
( حيبطل لف ـ جايز، حيكمل جري ـ جايز، حيقع من طوله ـ جايز… لكنه في جميع الأحوال مش راح يقدر يفضل متبت في الجسدين إللي يبنفصلوا عن جسمه شوية بشوية ـ وراح يوهم نفسه إنه بإرادته سابهم للمرايات تشفطهم لجل يتونسـوا بالناس..) يعني لو كان ساب نفسه للمرايات مش كان أحسن ويعني لو كان بص وراه كان حيجراله إيه أكتر.. ويعني ـ مين إللي قال إن الجسم المنهوك م الجري جسم حقيقي…
مش جايز الأرض كمان متغطية بالمرايات أو جايز ميه يعني ـ مش جايز يكون إللي حصل كان من شوية يعني ـ فيه احتمال إنه كان موجود في الممر دا وشفطته المرايات.
جايز يكون فتح باب ورا باب ورا باب ورا باب.. طيب وبعدين… تلاقيه بلعته الضلمه… أو اتقفلت وراه الأبواب…
(عارفين ـ الممر دا ـ من فترة كان مليان بريحة بيرة وعرق واستفراغ، وكانت المرايات أقل صلابة وبتسمح بالحوار والشجار والهزار..)
وكان الجسم المنهوك.. منهوك ـ بس ما كانش واخد باله، ولا كان حاسس بالموت جواه بيتربص بيه “مش الصيّع والشرطة”. وجايز كان واقف على الناصية بيستناه أو في الحمام، لو كان خد باله.
كان يقدر يعمل إيه..
يجري ـ طب ما هو طول عمره بيجري، يتمدد ـ طب ما هو متمدد دلوقتي، يتهز أكتر ويبعتر كل الحكايات على كل الناس والصور والأحلام والأبواب ويضحك مرة في وش المرايات ـ يضحك من جواه ويقول آااااااه.



عندما تصبح جثة..

لن تفقد ظلك
لكنك ستفقد الأطياف
التى سكنتك طوال حياتك
وتصبح عاريا فجأة ـ وتماما
حينها ـ هل سيظهر وجهك الأصلى؟!
وقد تحتفظ ببعض الدفء
بعض الارتجافات
وبعض الرغبة..
وقد يختلط الأمر
على الذين عرفوك
المنهمكين فى إزالة آثارهم عليك
بفيض دموعهم
 ـ كأنهم لا يصدقون ـ
لو تعرف ـ لو يستطيعون
لسلخوا جلدك
وتنابوا ارتداءه
لا ـ ليس طقسا بدائيا
ولا رغبة فى التطهير
قد يكون محاولة بائسة
للتشبث بزمن لن يعود
وبما تشرب من أوراحهم..
ستصبح جثة ـ بالتأكيد
ولن تفقد
ظلك الذى شاغلت به البنات زمنا
وأرسلته وراءهن حتى أسرتهن
ظلك الذى ملأك بالرضا
لما عانق ظل حبيبتك
رغما عن أبويها
ظلك هذا ستتركه ـ هكذا
محبوسا فى تصلبك
وخاويا .. .. خاويا جدا
لحد التداعى على الجدران
والانسياب على الأرض
ظلك
الذى سيتداعى وينساب ويتضاءل
كلما ازداد تصلبك
والذى سيخلص لك أكثر من كل أحبائك
ولن يلجأ لغيرك
هل هو أثر لوجودك الأصلى..؟!!


رأيتها تتحول إلى فراشة
ولا أطلب من أحد أن يصدقنى…
مددت سبابة يدى اليمنى
بعد أن قبلتها مرتين
وأشرت نحو الركن
وكنت أرغب فى اشتعالها
.. .. فاشتعلت
أنا الآن أتبعها
وثمة نار خفيفة
تكاد تحرق ـ تكاد تضىء
وكل ما أذكره
كانت هنا .. .. كانت هناك
يا أجزاء جسدى
انتبهى جيدا
أنت فى حاجة ماسة لهذا
لاتدعيها تفلت..
وطرف اللهب
لا يتأثر بأنفاسى
ولا ظلال لشىء
إنها عادة الأرواح ـ الرغبات المكنونة
إنها الأحلام
.. .. من قال هذا
من سيقول هذا
أتركونى..
فأنا لا أطلب منكم أى شىء
يا طرف اللهب الصافى
كانت هنا وهنا وهنا .. .. وهناك
فاكشف لى عن أثر وجودها.
هكذا
أرى أجزاء جسدها موزعة
ها هو وجهها
كتفها
نهدها
وعيناها
حسب رغبتى ..
وأنا فى وسط الحجرة تماما
قبلت سبابة يدى اليمنى ـ مرتين
واختفى اللهب
كانت أجزاء جسدى تشعر بأجزاء جسدها
ولا أراها
وطعم شفتيها على شفتى
ورفت فراشة
بالقرب من رأسى
وكنت أبتسم فى شحوب كالعادة .. .. !!


من هنا ـ وبخار خفيف
يتكاثف على المرأة
لأنه فى الليل
حيث الملائكة تحف بالأسرة
والشياطين تنزلق تحت الأغطية
ولأنه لم يكن فى السماء قمر
ولم يكن – كما حلم كثيرا
شعر برغبة  ملحة ـ بانهزام عميق
“فطقطق” أصابع يديه فى هدوء
وتسلل على أطراف أصابعه.. ..
ولأنه فى الليل
حيث أشياء كثيرة ـ بلا وجود حقيقى ـ وتتضخم
وحيث امرأة تتعرى ببطء مستفز
ومرآة ليس فى إمكانها إلا أن تعكس هذا الأداء الممل
وتعكس ـ هذا العرى الذى لن يدوم
أشياء كثيرة بلا وجود حقيقى ـ وتتضخم
ربما ذكريات ـ آثار لمس ـ روائح
وأصوات .. ..
ولأنه فى الليل
ولا شىء شخصيا تماما
ولا يوجد شىء يسمى (وحدة)
ولا بنت تستعصى على الإغواء
ولا رغبة جنسية بلا إشباع…
فقط
أصوات
وخلق يمرون ولا يتوقفون
ولم يكن ضجيج
ولا وشوشات ـ حتى
ولأنه لم يكن ليل ـ تماما
وبقع دم على قميصه
بقع دم فاتحة ـ ولا أثر لجرح
لا أثر لجسد ـ بالتحديد
كان يمر ـ هكذا
يمرر أصابعه على غبار يغطى الأثاث والنوافذ
غبار خلفته أقدام بالخارج
غبار على الصور على الحوائط
وروائح تشف ببطء
خيالات تشف ببطء
أصوات تخفت ببطء
ولم يتحول إلى شبح
ولم يرتعش لحد التشنج
ولم ينجرح لاصطداماته بالأثاث والحيطان
وتنهد عميقا
فبدا من هنا ـ قادرا على التلاشى
.. من هنا ـ وبخار خفيف يتكاثف على المرآة.

العشَّــــــــــاق
عشيقة الشاعر
من أولها
يا روح الدعابة
لا تفارقيني
منذ خمسة وأربعين يوماً
لو قال لي واحد
سترى امرأة في محطة مصر
امرأة ستراها لأول مرة
وقادمة من بعيد
امرأة لا شيء فيها يلفت انتباه واحد مثلك
امرأة  ستلتزم تجاهها بشعور لا مبرر له
.. .. في مواجهته تماماً
سأسخر من رومانسيته البلهاء
من بعيد .. يا رجل
ولا أعرفها .. يا سلام
وغير ملفتة  مالي والهم
.. ..
يا ملهمتي
لا تتخف أكثر من هذا
لا تفارقي خيالي
تشكلي جسداً
يعينني على شحوب روحي
يا روحي يا روحي
تشكلي دقيقة  دقيقة
تكفيني شحومي
داعبيني  عذبيني
أمتعي جسدي
دعيني ألمس كل جزء في جسدك
جسدك الذي سيتعرى
ويتمدد في هدوء أمامي
قبل أن تذيبه رغبتي
قومي
يا ملهمتي
يا رائحتي
يا جسدي
يا روحي يا روحي
.. ..
جسدي 
هذا العظم واللحم والشحم والجلد
هذه الإيماءات المقصودة والمنفلتة
هذا الظل الذي يخلفه
هذا .. ..
يالك من شائع
أين أنت
لست كما وعدتني
لست ما يخصني
جسدي .. .. .. يا أجساد الآخرين
.. ..
قالت  أنا بنت
وأصفر وجهها قليلاً
وترددت الكلمة بداخلي طويلاً ..
ولم أقل لها
أنت من صنع رغبتي ..
.. ..
علاقتي بالتليفون سيئة
فعندما أغلق باب حجرتي
أغلقه دون العالم الذين لا أكرههم
أغلقه في لحظة تؤنسني فيها وحدتي
لا أكرههم
أريدهم كما اختزنتهم ذاكرتي وحواسي
لكنه الملعون  بأسلاكه يتركهم يتسللون إلي
يتسللون ..
يفسدون رائحة الهواء بعبق عرقهم
يفسدون ذاكرتي بآرائهم التافهة
يفسدون حواسي بانفعالاتهم المزيفة
التليفون
الجماد  علاقتي به سيئة 
قفزت بواسطته البنت من رغبتي
قفزت بصوتها  بجسدها
قصيرة ودقيقة  وبنتاً
برغبتي
يا روحي يا روحي
-2-
قالت للبنات :
أحببت شاعر
قلن :
يا حظك
هم يجيدون الكلام الساحر
يجيدون صناعة الأحلام
قالت :
أحببت شاعراً
لا يكتب عن الليل والقمر
ولا الحدائق والعصافير
ولا يكتب "يا حبيبتي 
شاعر  قال لي :
اعشقي جسدي
اعشقي رائحتي
فأنا أرغب في عشق مناطق
غير الوجه بشفتيه وعينيه
وغير اليدين وشكل الساقين في الجيبات القصيرة
إنه لا يتنهد ولا "يسبل" عينيه
لا يهمس
قلن :
يا حظك
هم يجيدون الإغواء
يجيدون اكتشاف أماكن اللذة
.. ..
يا وحمة فوق السرة تماماً
يا قطرة الشهد فوق السمرة
المشربة بدم العشاق
يا حلمتها يا حلمتها
يا عيني ولد تعلقتا
للأبد
يا كل المناطق الغامضة
يا قمر بين ربوتين
يا قمر يا قمر
يا حضور ظلها
يا عبقها الذي لا يروح
مالنا والروح
عشيقة الشاعر
يا صغيرته .. دائما
لو تدرين ماذا يفعل الشعراء بعشيقاتهم
لو تدرين
ما تخليت عن غفلتك
ما دبرت أن تصيري محترفة
ما أنصت للبنات الغانيات
الشعراء يا عشيقتي الصغيرة  دائما
ترعبهم الانفعالات الزائفة ..
-3-
كتب :
لما نفترق سيضعف قلبها
لن يحتمل غيابي
سيشحب جسدها  تماما ً
وستحلم بي كل ليلة
وتستحضرني لما تمارس الجنس
لحظتها .. لم يكن منتبهاً
عبء "سينغص" عليه حياته
عبء سيشعره بأهميته
عبء سيجعله يسخر من الرومانسية المسكينة
عبء .. وخيبة .. وذكريات
كتب :
ولما أقابلها
سيكون جسدها قد تغير
ولن أنجح في تذكرته أبداً
.. ..
الأوراق التي يمزقها المراهقون
لا يقدر على تمزيقها سواهم
ولا تعني لهم أكثر من ذلك .. .. أوراق
فأجسادهم قادرة على حفظ كل الصور .. كل الروائح
لهم :
الأوراق .. أوراق
الصور .. صور
ما يحدث .. يحدث
لم يتعلموا  بعد  صناعة الذكريات
حيث ورقة صغيرة  صورة -
رائحة مطوية في منديل
كنز 
كنوزنا التي نحفظها في درج لا نفتحه
كنوزنا التي نواريها في الحقائب المهملة
كل ما كان  كل ما تبقى
كل الذي يفاجئنا في مرة
بعشيقاتنا
مرة  يتخلصن من أسر الصور
ويستعدن روائحهن
يتجسدن أمامنا
بطريقة تدفعنا لنعيدها كل ليلة
كل ليلة
حتى نلمح في عيونهن تلك النظرة
تلك النظرة التي تجعلنا نتمنى أن نعود مراهقين
وتجعلنا نكره أجسادنا
-4-
أحياناً..
نحتاج أن تكون لنا أحلام بسيطة
أحلام لا نقبل أن يلومنا الناس عليها
ندير وجوهنا للحائط
برغبة ملحة في البكاء
لما نشعر بها لا تتحقق
هكذا 
نعود رومانسيين
ولا أستطيع أن أقول حمقى
ندخل محلات الهدايا
التي هجرناها من زمان
ونشعر بخدر خفيف
ونحن نشير ثانية - إلى إكسسوارات البنات
الله -
يا عنق البنت لما تحيطه سلسلة
يتدلى منها جعران صغير
الله عليك يا جسدي يا جسدي
يا كل الذي يفلت من بين أصابعي
فيجبرني على الابتسام
-5-
سيظل العشاق المتخيلون
يسكنون بداخلنا
يراقبوننا بشغف طفولي
ونحن نعيد أفعالهم
كأنما هذا الولد ظل
سيعانق بعد خطوتين ظل البنت
ويفترقان  كما افترقا
ولن تنجح الصور والكلمات
ربما -
تساعدنا على استعاده لحظة
ربما لنشم نفس الرائحة
نرى نفس العينين النهدين
ونتوتر من حركة أصابع الكف
ربما 
تتعلق بعيوننا دمعة
دمعة لها عبق خاص
لنتنهد  وبنفس نبرة الصوت
وبنفس التشنج :
إلى متي سنستمر في صنع عشيقاتنا
برغبتنا  بروحنا بدمنا
نصنعهن ليشبهننا قليلاً
رغم أننا
سنمر عليهن والله مرغمين -
وكأننا لم نتعر ولما نمارس الجنس
.. ..
إلى متى سنستمر
إلى متى سنتحمل
أشعر بجسدي
في كل مرة
يفقد من رائحته
في كل مرة
لما تغيب يتلاشى قليلاً
في كل مرة
.. .. .. يا جسدي
عشاق متخيلون
"صور ومرايا"
-1-
لشكل الوجوه في صور الأبيض والأسود سحر
خاص. لو تأملتها قليلاً ستكتشف: البنات زمان
كن بفيونكات وضفائر وعيونهن مرخية قليلاً
وستكتشف: الأولاد عشقوهن على هذه الصورة،
عشقوهن بطريقة غامضة دفعتهم لينحتوا وجوههن
على الحيطان ويكتبوا تحتها داخل قلوب بسهام :
أحباء للأبد .. أحباء حتى الموت
-2-
سنرى ولداً صغيراً يبكي ووجه للحائط،
وسنتساءل ونحن نحدق فيه: لماذا يبكي الولد
الصغير؟.. بحكمة واندهاش وعطف في الغالب .
أتعرف  كنت أبكي لأنني الشريك الصغير في
العلاقة الصغيرة بين ولد وبنت .
أنا الولد السمين الشاحب الخجول
ذو العينين المغمضتين  فمن يشك
فيه أو في أفعاله
.. ..
وبدأت أولى محاولاتي للتقمص، وما أفعل يعتبر
عيبا ..أعرف، وكانا يحذراني من انكشاف
أمري. إذن يجب أن أخفي الرسائل جيداً وأسلمها
سراً .. فتقمصت دور الولد الخبيث
وكنت مستمتعاً بهذه المغامرة، وكنت أظن أنني
نجحت الله أنظر: إنه مشهد غاية في العذوبة
والغفلة :
يظهر فيه ولد صغير سمين وشعره طويل يتحرك
ببطء نحو شاب طويل ورفيع يقف مستنداً إلي
شجرة ليمون، وأمامه بالضبط يقف متطلعاً إلى
وجهه في سعادة، فيمسح على شعره الناعم
ويعطيه خطاباً ويهمس ببعض الكلمات .. ليظهر
عليه الارتباك ويدس الخطاب سريعاً في جيب
"الشورت" وبلا التفاته يستدير، فيبدو وهو يحمل
وجه السادات على صدره، وطنياً صغيراً في
طريقه لأداء مهمة وطنية، وتزداد خطواته ارتباكا
ويزداد العرق على جبهته .
أمام باب البيت يضع يديه في جيبي الشورت
لثوان قبل أن يطرق الباب  وهنا تصل مغامرته
إلي ذروتها، فهو يعلم أنهم بالداخل  كثيرون
وعليه خداعهم
ودائما الجدات والعمات والخالات يجلسن في
الصالة. ودائما على الولد الصغير أن يخدعهم
وبخجله المعتاد يدخل، وبخجله المعتاد يجلس
صامتاً، ومن منظره تعرف البنت التي تكبره
بخمسة أعوام .. فتتجه للحمام .. وإمعانا في الخبث
يبقي للحظات قبل أن يمرر الخطاب من تحت
عقب الباب .
أعرفت لماذا يبكي هذا الصبي الصغير ووجهه
للحائط؟
ليس بعد  طيب
ولأن كل شيء قابل للتكرار، سنراه على وقفته
هذه ووجهه للحائط .. ليشعر بأحد خلفه، يلتفت
سريعاً بلا توقف عن البكاء. وإذا بها بنت في مثل
عمره تقريباً، خلفه مبتسمة لا يفصل بينهما إلا
ما يسمح بمرور الضوء من كوة أعلي الجدار
ليصنع ظلا من القضبان "هي في الأصل عيدان
حطب على الجدار المقابل"
وكأنه يراها لأول مرة - فتفاجئه بشفتيها الرخوتين
الحمراوتين وبثدييها الصغيرين وبعينها نظرة
غامضة وعميقة
وفجأة تختفي ظلال القضبان من على الحائط
ويلمس شفتيها بشفتيه، وكان نهداها الصغيران
يرتعشان بينهما، وخدر يسري في جسديهما
ولم يعد يبكي ولم يعد منشغلاً بشيء
وفي المساء وهو مغمض العينين تماماً، قرر أنه
سيحبها

قرأ في كتاب بلا غلاف :
العاشق الصغير
سهل من المشاعر
سماء من الشجن
وأنفاس متقطعات  من الرغبة
ليس واحداً بالتحديد
ستراه في كل مكان
لو انتبهت :
يبتسم مرة برضى
ومرة بمرارة
يهز ذراعه بذراعها
أو في الهواء
ستراه 
ربما في صورة
أو في سطر
أو في المرأة لحظة شرود
وستشعر في كل مرة
أنها أول مرة
وكأن كل ما مضى
يداهمك فجأة
وبغير رحمة
-4-
من أي ركن سيخرج هذا الطيف
ليحل بالجسد الطافي في أحلامه
بالتأكيد سيخرج كما خرج من قبل
سينتهز التقاءة العينين  صدفة
أو همسة مرتعشة
ويا سلام لو لمسة
من أول لمسة
سيجعل الجسدين يتوقان له
يستعدان له
ليخرج من ركنه
العميق  في الداخل
ومن بعيد
سيبدو الجسد لما يقوم
ممسوساً
سيحل في العينين بريق
وسيكون للصوت ترجيعات غامضة
آهـ هذا هو الغموض
من زمان
والأجساد التي تبدو لنا ممسوسة
يحيطها الغموض
-5-
لابد للبنات أن ترتخي رموشهن
وينظرن هكذا من تحت لتحت
تحمر خدودهن ويبتسمن
ولابد للأولاد أن يبادروا
فتتسحب أصابعهم نحو أصابع للبنات
ويأخذون شهيقاً عميقاً قبل أن يهمسوا أحبك
لابد
فـ العشاق يفعلون هذا دائماً
ودائماً يظنون أنهم متفردون
-6-
نحاول نتقمص أدوار الأولاد
نطرق الأبواب بدلاً عنهم
ونفتش عن أحلامهم
في صدور النسوة اللائى كن بنات 
ونقول لهم :
يا أولاد عيشوا
لا تحدقوا في الخيالات
الخيالات لها عبق خاص نعرف
لها بريق خاص نعرف
وأماكن عميقة في الداخل طيب
خيالات .. خيالات
أطياف الأولاد والبنات
تشاغلنا هنا
وتنتمي لهناك
نحن الحكماء
أصحاب التجربة "وتعني الفشل"
قادرون على هز الرءوس
والتلفظ بكلمات غامضة
قبل أن نبتسم ونسخر من الآخرين
الآخرون
لحظة من فضلكم
وحدقوا في الصور والمرايا
ألا يشبهوننا
-7-
لما رأى الأولاد والبنات يمشون على الكورنيش
سأل: من هولاء؟
قالوا بسخرية: العشاق
وكانوا يسيرون هكذا بأجساد قربية جداً يهمسون
بالكاد ويأكلون الذرة المشوية والترمس
والذين رآهم على شاشة التلفزيون كانوا يشبهونهم
بدوا أطيافاً هبطت من السماء وعلى وجهوها
الدهشة وملء أجسادها الرعشة
سأل: من هؤلاء؟
قالوا بسخرية: العشاق..
وفي ليلة سمع صراخاً، كان شيش حجرة بنت
الجيران مفتوحاً لأول مرة، ولأول مرة رآها
عارية تماماً خلف باب حجرتها قبل أن تشتعل
النار في جسدها الذي لم يتجاوز السابعة عشر
آخر الليل: لم يكن قادراً لا على الكلام أو رؤية
أي شئ سوى النار تشتعل في جسدها وسمعهم
يتهامسون: المراهقون المجانين، كيف تهون
عليهم أجسادهم .. كيف تهون عليهم حياتهم؟
ولم يسألهم .. فلقد عرف لوحده أن المراهقين هم
العشاق ..
-8-
قرأ مجنون ليلي وبكي
روميو و جوليت  وبكي
لكنه في مرة  ودون أن يفكر-
قال :
العشاق الخالدون
عشاق خائبون
ذكريات حزينة
يا سلام لو قال :
ويتسللون بخفة إلى أعماقنا
لو انتبه
لو انتبه
لو انتبه
لا أعرف
ربما  تصوروا 
كان سيصبح -مثلهم  عاشقاً ممسوساً
بالبعيد والخلود ..
-9-
سيفر القمر ذات ليلة
من عيون العشاق الرومانسيين
ليجبرهم على النظر لبعضهم
حتماً 
يراقبهم من بعيد
ويقول لنفسه :
ما لي والعشق
عندهم وجوه عشيقاتهم
عندهم نهود عشيقاتهم
أشياء مستديرة ودافئة وقريبة
فلماذا يعلقون عيونهم بالبعيد؟
سيغيب :
لتصبح السماء سوداء
ويجلس العشاق بلا ظلال  متلاصقين
لتملأ النهود الكفوف
وتتقشر الشفاه من فرط السخونة
أشياء دافئة وقريبة
قبل أن تخطف النجوم عيونهم
مرة أخرى  للبعيد ..
 -10-
ولا يتغير شيء
سنتبادل كلمات الحب
فوق قصاصات الورق
فوق جذوع الأشجار
فوق الجدران
.. ونرحل
تنقبض قلوبنا بشدة  ولا تنبسط
لنكتشف: لنا أجساد
تفتقد أجساد الآخرين
لكنها ستحاول تستعصي على اللمس
فنتمدد في ركن مظلم
يمكننا من متابعة القمر عبر النافذة
وعلي يميننا صوت عبد الحليم
وبإتقان وحرص بالغين
نلف الصور والأوراق بـ "السوليفان"
نحملها لمكان بعيد وغامض
مفتاحه دائماً بالقرب من القلب
ونتنهد بانتظام
ربما لنطرد الأطياف من داخلنا
ونستريح
نحاول نستريح
نحاول بجد
ونظن أننا  مثل كل شيء  تغيرنا
فما كتبته في البداية  أصبح الآن بعيد ..
-11-
ومرة أخرى :
سيظهر أولاد آخرون
بتقاليع أخرى
سيسخرون من آبائهم
ومن الأفلام العاطفية القديمة
ومن أغنيات عبد الحليم
سيقولون هذا بتشنج
وسنصدقهم
لكننا  ذات مساء ..
ونحن في طريقنا للحمام  مثلاً
سنسمع همساً خلف باب الحجرة
ولما نلصق أذننا بالباب  نسمع :
تنهدات مكتومة
وقبلات مرتعشة
ونسمع كلمات الحب التي قلناها
وقبل أن ندفع الباب لنضبطهم متلبسين
نرى سلك التليفون
فنبتسم  وأقدامنا تحملنا لمكان بعيد وغامض
نفتش عن أوراقنا وصورنا
ونأخذ شهيقاً عميقاً  لنستعيد الأطياف التي طردناها
وبنبرة صوت غامضة وتأتي من بعيد
إنهم رومانسيون أكثر مما كنا
ببساطة :
التليفون يحولنا إلى أطياف
قادرة على الادعاء
دون حاجة للنظر إلى القمر
أو إلى أحذيتنا ..
نفس الزهور التي نحملها إلى القبور
بحزن عميق ورغبة ملحة في البكاء
يحملها العشاق ويقولون :
الزهور رمز لمشاعرنا
الزهور رمز للرومانسية
مساكين
(كلام غامض وحكيم وساخر
 كلام فاضي
 .. كل الكلام فاضي ..)

عشاق غير مؤذيين
في ركن خافت الإضاءة
وبالقرب من نافذة لا تطل على السماء
سيبدو من جلسته  ليس هنا 
يشحب جلده
وتنتفض كرمشاته بخفة
قبل أن تتحرك يده المرتعشة
ليس باتجاه عينيه
ولا باتجاه قلبه
ويئن  بلا ألم
أهـ يا حبيبتي
من؟ حبيبتك من؟
لحظتها  فقط  ترتعش شفتاه
تلمع دمعة على جفنه
يرسم بسبابته استدارة
ويحدق فيك طويلاً
بعينين لا تريان سوى أطياف
.. كان زمان
كان زمان
عندما يحكي العجائز
تتأكد: الذي كان لا يروح
لديهم سراديب عميقة وغامضة يحتفظون فيها بكل شيء
حتى قصاصات الورق التي مزقوها
ستجدها مكومة في مكانها
من قال الذي كان لا يروح؟
إنه يروح ويجيء  بانقطاع
يستبدل الأصوات بالصدى
والأجساد بالأطياف
والروائح بالعبق
يا حظكم يا عجائز
قادرون على رؤية أطيافكم
وأنتم في طريقكم لتصبحوا أطيافاً
ضحكة تكشف عن فم يخلو من الأسنان
ضحكة من قلب يخفق بالكاد
هي في الغالب للذي كان
 وهو في طريقة ليفقد حواسه
مر بتحولات عديدة
في البداية
كان يستيقظ مفزوعاً
ودون أن تسأله
يحكي عن "الجنية"
التي شدته من قدمه
لمكان عميق وغامض
في البداية لم ير شيئا
وخاف أن يفتح عينيه
ولما مسته خفيفاً
طفى وملء عينيه صورتها  ولم يرها 
ولم يفتح عينيه لأيام
ولم ينم
وفي ليلة
سمع غناء فوق السطح
كانت تمشط شعرها في ضوء القمر
وكانت تغني
وكان ممسوساً
كل ليلة  طوال سنة
لما يكتمل القمر
وكان يتلاشى ببطء
وكاد أن يغيب  برغبته
وفي ليلة
شدته من قدمه
عبر درجات السلم الخشبي
وكاد قلبه أن يتوقف
ولم يغمض عينيه
فرآها تمشط شعرها  مازالت
وقبل أن يمد يده ليلمسها
كانت مياه تأتي من مكان غامض
ولم تغرقهما
وكانا يحدقان في بعض بعيني غريق ..
والآن  لا يرى سوى أطياف
ولا يسمع سوى همهمات
فأصبح يقف بالساعات عند العتبة  تماماً
مسنداً رأسه إلى الحائط
ويحكي :
المشهد أبيض وأسود
لشارع طويل يخلو من العربات
ويخلو من المارة والعمارات العالية
عند المنحني  تظهر بنت بفستان قصير وضفيرتين
متعثرة يتبعها ولد بشورت وطربوش
وبينهما أمتار قليلة
حتي بيتها في وسط الشارع
وهناك  يقف بظل واضح هكذا أتصور
"قادر علي عبور قضبان السور"
ودون أن يلتفت
يعود إلى بيته
ليستدير  عند العتبة تماماً
ويقف مسندا رأسه إلى الحائط
كما يفعل الآن 
وعيناه معلقتان بشباكها
الذي  بعد تهدم بيتها 
أصبح في الداخل  فقط
 وفي آخر أيامه
فقد القدرة على الحركة
وبدأ أكثر شحوباً
وفي كل مرة يمرر أصابعه
على تجعيدات وجهه
أراها تتناقص
ولم يصبح أكثر شباباً
كان يسند رأسه إلى كفه
ويهمس كثيراً  بنبرتين على الأقل
لا يطلب أي شيء
وربما لغيابي
تصورت: جسده ما عاد يخرج فضلاته
وتخيلت: حدبة ظهره التي تزداد
سيخرج منها جناحان
تماماً  مثلما أضاف لصورتها
جناحين خضراوين
وكتب جوارها على الحائط
بعض الحروف  فشلت في قراءتها
وكان يحدثني كثيراً عن الطيران
ورغبته القديمة في "الرفرفة"
وشعوره أن طيوراً في داخله
وفي ليلة ..
وتحت إضاءة خافتة لشمعة
ثبت أسفلها ورقة
عليها اسماهما
كانت ملامح وجهه ليست له  تماماً