حلمى سالم


 الشاعر حلمى سالم 

(1) قصائد من ديوان «حديقة الحيوانات»
كابتشينو
كان كرسيِّ الخيزران واطئاً.
فحطَّت شلتْةً من أجل راحةِ الفقرات،
بينما تقطرتْ من الخدّين سمرةُ مختومٌ عليها:
صُنع في مصر.
قال فتي: الكابتشينو علامةٌ علي وحدة الأضداد،
فطارت صبيّةٌ إلي انقسامِ الأهلِ واعتلالِ الزراعاتِ
في أرض قفْط.
جدّدَ الجرسونُ جمرةَ النارجيلةِ فاستيقظتْ حساسيةُ الرئتين.
لا عليكَ يا حبيبي: ليس مطلوباً سوي أن نَذرَّ
بعضَ التوابل علي الروح كي تصيرَ الهزائمِ مبلوعة.
تحدثتْ فتاةُ عن خطورة العواطفَ علي مستقبل
الأجنّةَ، وعن ضرورة البتر عند الجرّاحين. تبسَّمَ الجرسون
وهو يغير المبسمَ، ثم قال: دارتْ معاركُ عند الزعفرانة
قبل أن تصيرَ منتجعاً للباحثين عن نقاهةِ العظام والباحثين
عن تدوير ثروةٍ.
كانت الكابتشينو تصعّدُ البخارَ علي وجهينْ،
بينما رجلٌ سيء السّمعة يقبِّلُ المجري الذي بين نهديْن،
ويحكي كيف اغرورقتْ عينا أبٍ صَلبٍ وهو يحضن
الصبيَّ الخارجَ قبل برهةٍ من الحبس.
أقصتْ شالَها قليلاً لكي تمثلَ حادثةَ الحبيب في فجر جمعةٍ،
الغرفتان في المستشفي القبطيّ متجاورتان:
غرفةُ الولدُ الذي تحطّمتْ ضلوعه في فجر جمعةٍ،
وغرفةُ الكهل الذي انسدَّ شريانه التاجيٌّ بعد سهرةِ المخدرات،
ألم نقلْ أن الكابتشينو علامةٌ علي وحدة الأضداد؟
من هنا حطّتْ شَلْتةً من أجل راحة الفقرات،
بينما تقطرّتْ من الخدّين سُمْرةٌ.
قال عابرُ: لا تمنحوا اسماً لليمام الذي يطير من شجرةٍ
لشجرةٍ في باحةِ المقصف.
ولا تضطربْ يا حبيبي:
سيجئ الملحّنون آخرَ الليل يجمعون الفتاتَ الذي تساقطَ
من أفواه المحبّين،
لكن راسخةً في علوم النفس قالت:
ثمةَ سبعُ فوائدَ في بناء سَدٍّ أمام فيض الماء.
كانت الكابتشينو ما تزال دافئةً،
فقال عابرٌ: طِبتَ حيّاً وميتاً أيها الغرام.

شيكولاتا
لم يكن موزار يعلم وهو يحطُّ أصابعَه علي البيانو
أنه سيغدو كرةً صغيرةً من الشيكولاتا
تضعها سيدة رصينةٌ في قهوة الرجل
الذي يتكلم عن سطوةِ الكهنوتِ علي مستقبلِ البلاد.
أرتْه بعضَ صور العائلة:
هذا أبي في البنكِ قبل أن يهجمَ التهابُ المفاصل،
هذه أمي قبل المياه البيضاء،
هذه أختي بعد هبوط الورع.
استرح يا حبيبي: لا يري جسدي سواكَ،
فكنْ علي بُعدٍ محسوبٍ لكي أتمَّ النغمةَ التي تدرّبتُ
عليها في المعهد الشرقي.
لا أريد للجنين أن يذهبَ،
فربما كفّ اللصوصُ عن سرقةِ الملاءات،
أو ربما كفّتْ يداي عن رعشةِ الأصيل كلما مرّ طيفٌ.
سأكون في المستشفي الخصوصيّ لفحص طبيعةِ الأحشاءِ
واكتشافِ انفجار الخلايا.
أنتَ سلامٌ في حياتي فلا تكن حرباً
لأن الحربَ تجعلُ الأشلاءَ طافيةً.
عندي تمزقٌ في الرباط الصليبيّ من شِدِّة النفخ في
النحاسيات، فلابد أن تلبسَ القميصَ السماوي حينما
تهجو لجنةَ السياسات،
حتي تدركَ العذاري النائماتُ مساوئَ الظرَّف،
لم يهدني أحدٌ وردةً منذ عقديْن،
كان الصبي خارجاً من صلاة الأحد،
فشكهّا في عروقي بعد الجَرَس،
لكنه خاف علي برّ مصر من فتنةٍ طائفيةٍ،
فراح بلا رجوع.
ماء المحاياة بين يديكَ في قارورةٍ،
فصبَّه بين أسناني حتي أري الذهبَ الحرَّ حراً.
أنا أكره الهدايا، لكن راقصةَ الباليه التي من
خشب السّرو تعني أنكَ مفطورٌ علي تكوين المنظمات،
فابتعدْ بمكيالٍ لا يعذّب الفؤادَ.
لا تطيِّبْ خاطري فلستُ أحبُّ العزاءات،
ولا تنتظر صوتي علي هاتف المساء
لأنني أتمرّن هذه الأيامَ علي مطلعٍ يقول:
«كان صرحاً من خيالٍ فهويي».
خططتُ علي طرفِ شالٍ: لا تنزعجْ يا سميري:
في غدٍ سوف أكتب مقامةً عنوانها «الجاحدون مئةٌ»،
وأسمِّي كل َّ جاحدٍ باسمه، بادئاً بالذي أعطيتُه
العمرَ ثم دسَّ لي عند مباحث العقارات، واسمه عبد
الحليم، خاتماً بالذي صعّرتٌ من أجل أحلامه خدّي، ثم
راح يشيع في الحانات أنني خدّامُ العائلات، واسمه
عبد العليم. نعم ، له في خلقه شئون.
خذ هذه الكرةَ البنيةَ الصغيرةَ في فنجانكَ المضبوطِ،
وأعلمْ أنني مسرورةٌّ بالتين الشوكي،
فاسترحْ يا حبيبي:
لم يكن موزار يعلم أنه سيذوب في البنّ البرازيلي،
لم يكن موزار يعلم أنني فقدتُ الطفلَ،
وأن اللصوصَ لم يكفّوا عن سرقةِ الملاءاتِ.
أريد إجابةَ واضحةً:
هل أنتَ ملحدٌ؟.
طبيبُ شاطرٌ في قرنيّةِ العيون
أنا الذي قلتُ: طِبتَ حيّاً وميتاً أيها الغرام.
وهي التي قالت: صوتُكَ في هاتفِ المساءِ يخمشُ فيَّ
غريزة اللبؤات.
والمنشدون هم الذين قالوا: ذرّوا علي الدمامل ثلاثَ أو قياتٍ
من البهاراتِ ربما يشرق الأمنُ.
لو أننا ذهبنا إلي اسكندريةَ كنتُ أجلستُكِ في البهو
الذي قرأتٌ فيه النّفّري للمومس العذراء،
ثم شرحتُ لكِ الخاماتِ في «الأشرعةِ المجنّحةِ وعروس البحر»،
لو أنني صنعتُ لكِ الفتَّةَ كنتُ درّبتُكِ علي تشويحةِ
الأرز، وبينّتُ لكَ اللحظةَ التي ينبغي أن نطفئَ النارَ
فيها عن القومِ،
لو أننا زرنا قريةَ الراهب كنتُ صوّرتُكِ تسحبينَ
جاموسةً في حقل برسيمٍ،
وأنتِ تلبسين جلبابَ أختي المشغولَ في صدره بخَرْجِ النجف.
السيدةُ التي لا تحبُّ الكلامَ العاطفيَّ لأن العواطفَ كعبُ آخيلَ،
تري أن الشعورَ بقالةٌ الشعراء.
سيما إذا كانوا مشبوهينَ بالغضِّ في المقدّسات،
أو صرخوا في المظاهرات من ثلاثين عاماً : «يا حرية
فينك فينك ، سجن القلعة بيني وبينك»، أو ممن يعضّون الحرائرَ في المؤخرات فيتركونَ عاهةً،
هي التي قالت: لا أريد هزّات أو دراما،
وهي التي قالت: أنتَ تحمل النفتالينَ في جيوبِ قمصانِكَ
الزرقاء كي تحفظَ الأجسادَ في ثلاجةٍ،
وهي التي قالت: يا دينَ أمي،
تكره الانخراطَ في الرقص وتعشق المسافات الآمناتِ،
لأن أخهَّا انخرطتْ ذات ليلةِ فسبّبتْ عاراً علي العائلة.
قبل أن تهجرَ الحفلَ من أجل أن تشاهدَ المباراةَ مع الفتي
الموصوفِ كي تفهم فكرة الهجوم المضادِ والتسلّل.
سجّلَ الراوي العليمُ في دفترٍ:
إنها مكبّةٌ علي مكتبٍ تحصر الصادراتِ والوارداتِ،
إنها تفتش عن طبيب شاطر في قرنية العيون.
خسرتْ النّفّري والفيِّةَ والجاموسةَ في حقل برسيمٍ،
وكسبتْ اتزانَ قوّةِ الطّردِ المركزيةِ حيث الرضا ودقةُ القناع،
مع أنها التي قالت: صوتكَ في هاتفِ المساء يخمشُ
فيَّ غريزةَ اللبؤات،
مع أنني الذي قلتٌ: طِبتَ حياً وميتاً أيها الغرام،
لكنها ماتزال مستعدةَ للفرار إلي الأندلس،
حيث هنالك الفناناتُ المعتوهاتُ والصحراءُ،
وحيث يمكن أن تقول:
تلزمنا نقاطٌ قليلةٌ من الخلّ،
ربما تتضاءل الكوارث.

(2) قصائد من ديوان «معجزة التنفس»
تحليل دم
تعرّجاتُ الرّسم ميّاسَةُ:
صعودٌ ، خرائبُ،
وديع الصافي، خنجرٌ ، زجاجٌ مَهشمٌ،
متنبي، تشكيلٌ سريالي،
بقايا غرامةٍ وغرامٍ ، شجرةٌ مطبوخةٌ،
أشرف نجاتي، حروف منحوتة علي الأورطي:
«تكسرتِ النضّالُ علي النضّالِ».
قلتُ لشقيقةِ الشهر:
أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي.
نشلوني من البئر في قفّةٍ
فكنتُ خلف خوصِ قّفةٍ أتبّين الصّبَايا:
لميس: ذكاءُ القلبِ، والندّيةُ، حكمةُ الحنانِ،
عيونُ القطط، ورائحةُ «زاهية»
رنيم: حصّةٌ في الرقّة، القافزة خلف البحر قبل
موسم القفز، الذوبانَ لحاله.
حنين: سلامةُ الفطرة، ملحُ الأرض، التي لا
يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»،
وبسببي حفظت مستشفيات القطر
تراءي له آخرَ الهزيع
أن العسكرَ حوله ينظرون
في تحليل دمٍ:
قطرانٌ ثقيلٌ،
مخلفاتُ الضغائنِ،
لهزةُ اللمزةُ،
روَثٌ النظام السياسيّ،
سيانور البوتاسيوم.
تراءي له بليلٍ جوهرُ الأطباء،
فأنشدَ المطربٌ العاطفيُّ:
يا لفتنة الجيش
لكن طفلاً علي الكورنيش مزّقَ السكونَ
حين ألقي سؤالَه الخفيضَ
لماذا إذن مصُّوا الهواءَ
من مصر
النبع
يأتي عوَّادونَ من جلطةِ المخّ،
ويأتي عازفو بيانو من عَجْز كليتينْ،
ويأتي لاعبو كمنجةٍ من ارتفاع الضغط
كلُّ بَكَّاءٍ يحمل الآلةَ تحت الإبط،
وفي أطراف الأصابع شاراتُ الخسارة.
أما أنا فمهمتي كانت
تجميعَ الآلاتِ والرئاتِ،
علي كاهل المصابينَ،
كل رئةٍ وآلتها المكسورةُ،
كلُّ آلةٍ ورئتُها النازفة،
وأهتفُ : يعيش انسجامُ الكسيرَيْن،
ثم تجميعُ الخسائر في جسدٍ واحدٍ.
يمرُّ من مطهرٍ إلي جحيم
قلتُ لقائدِ البحر:
اجعلْ لي آيةً
قال: آيتُكَ أن تتجلي للجار
ليلةً
علي هيئةِ حلمٍ،
وأن تتجلي للجار
ليلةً
علي هيئة كابوسِ،
وعندما تعذّبه حيرةٍ الليالي.
اتركْ علي سرير الجار علامةً:
نقطةَ دمٍ طري.
وفي مطلع كلَّ أسبوعٍ،
خذ الجارَ إلي النبعِ،
وغُطَّه في الماءِ كلَّه،
إلا كعبَه.
واتركْ له علي حافةٍ النبعِ
قصاصةً تقول:
في المخاطرةِ جزءٌ من النجاة».
السارقون
كان الطبيبٌ بالنجماتِ الثلاث
والنّسرِ،
يحطُّ مبضعاً علي فأر ليستأصلَ الداءَ،
بينما كان النقيبُ الشّابُ
في شارعٍ جانبي،
يصوِّبُ الرصاصَ نحو عيونِ فتي يصيح:
يا عدلُ،
وجُنْدُ النقيبِ حولَه يهتفونَ فيه:
أحسنتَ يا باشا.
وحينما كان الطبيبُ
بالنجمات الثلاث والنسر،
يشفطُ الماءَ عن رئتي
حتي لا تموتا غرقاتينْ
بعد أن أفلتتا من أن تموتا مأكولتَيْن
بالكيمياء والفئران،
كانت جموعٌ في قارعة الطريق،
تحمل نعوشَ أبنائها الذين سلّموا السَّر الإلهي،
تحت البياداتِ والجنازيرِ والرتلِ المدرّعِ،
عندما صاحوا في الميادين:
يا كرامةُ.
قلتُ لبنتِ بيضونَ
وهي تعطيني حبّةَ المضاد:
هذان وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ:
الرحمةُ والعذابُ.
ظفرنا نحن بالرحمةِ،
وتركنا للفتية العذابَ.
يا لنا من لصوصٍ أنانيّين.
يا جماعة الخير:
لابد أننا لم نقرأ «العادلونْ».
خبائثُ الحكومات
بلي،
قادرون علي أن نسوّي بنانه.
قال عازفٌ من قبل:
تاجُ الحكيمات أبيضُ،
فأخذتْه الحكيماتُ إلي حيث يعرف:
هل السلطانُ لصٌّ أم نصفُ نبي؟
وحيث يشكر زرقاءَ اليمامةِ علي نبوءتها،
ويعتذر لها عن غباءِ الذين
لم يسمعوا النصْحَ.
وقال عازفٌ من قبل:
نحن محكومونَ بالأمل،
فلونّه الأملُ بالأخضريكا
وزَرَعَه فوق بَرَدَيَ شجرةً،
راح الناسُ يقعدون تحتها:
يستظلون من فئٍ،
ويأكلونًَ من ثمرٍ.
وقال عازفٌ من قبل:
أنا المائياتُ،
فقاسمته عمرَه:
الوردةُ، والنخلةُ، وتمرُ ، والكنيسةُ،
وشهاداتُ الغضب.
هربتْ كلُّ لوحةٍ بجزءٍ من فتاها،
حتي لم يعدْ للفتي من نفسه
قطعةٌ.
أما أنا فأقول:
عندما جاءت رُقيّةُ إلي العناية المركّزة،
ولمحتُها بين نومٍ وصحوٍ،
قلتُ : يا شقيقةَ الشهر
بللّي شفتي بالماءِ،
وحافظي علي صدر رقي من خبائثِ الحكومات،
فالشهيقُ رسالة الأنبياءِ،
والزفيرُ معجزةُ الرّب.
تبخرّتْ شقيقةُ وتبللّتٌ شفتانِ،
فأدركتُ أن سَتْر الله سابغُ،
وأن المحبّةَ خبأتني بعِبِّها الخفي، وحينما تعجبتُ
قالت رُقَيّةُ: يا حبيبي، هذا منطقُ الطير.
لماذا، إذن ، قفزَ الجندي
ببرطوشةِ الثقيل
فوق صدر المرأة التي تَعّرتْ
وهي تهتف: أسنانُ مشط.
الكفنٌ: همٌ المصوبونَ علي صدور الخَلاْقِ.
المحكومون بالأمل: هم المسحولون علي
الأسفلت،
المائياتُ : هي الثورةُ: إذ خفّةُ،
وإذ خصوبةٌ،
وإذ أنوثةٌ.
فسلاماً أيها الفَصٌّ الرقيقُ،
المتنمر كذئبٍ،
المرعبُ كقيامةٍ.
بلي،
قادروَ علي أن
نُسوِّي بنَانَه
مستقبل الحب
وأنا في غيامةٍ،
جاءني من «الشغاف والمريمات» غلامٌ،
يحمل قماشةً زَرْقاءَ مكتوباً عليها
«الكرابيجُ : كابٌ وعمّةٍ»،
ثم شكشكَ الورقَ علي هيئةِ عروسةٍ
ورقاني من عين أمي
ومن عين أبناء كاري
ومن عين من رآني ولم يصلِّ علي نبيه العدنان.
قلتُ لأ مهاتي:
أريدُ أن أري أخوتي
قبل أن يصيحَ الديكُ
ورحتُ في منزلةٍ،
بعدَ برهةٍ
ميزّتُهم بين نومٍ وصحو أمامي:
عبدالله: رأيتُ دموعه يومَ ماتت أمي
مع أنه ابن ظهر أبي
عبد العزيز: نظر لي بحزنٍ كأن يوّدعني
ثم بعدَ شهريْن مات
لأن معجزةَ الشهيق والزفير
عطلانة،
إفراج: أول مولودٍ بعد خروج أبي من السجن
سُكرة: الطيبّةُ التي اختطفها الصعيدي الطيبُ
مَلَكُ: دوبلير «زاهية» التي تبكي كلما
رأتْ سواداً تحت عيني
أحلام: الأرملةُ التي ربّتْ أولادَها كبطلٍ إغريقيٍّ
يسري: الصبيُّ الذي جعلَ مهاتفته لي جزءاً من دوائي
بيومي: الشوكُ الظاهرُ والوردُ الباطنُ
يسرية: الأسيانةُ
غادة: الطفلةُ التي صار لها خمسةُ أطفالٍ
بين عشيه وضحاها.
قَبّلتُ أيديهم
وتقدمتّم وفي صعودِ رَبْوةٍ،
وهم يذرفون الدمعَ،
وقبل أن يختفوا همسَ لي الصَبي
الذي جعل مهاتفتَه لي جزءاً من دوائي
احترسْ يا رفيقي
من الموجِ والنوّاتِ والصَبَايا الغارقاتِ والغريقِ
من الفرقِ والفراقِ والفريقِ
عند هذا البرزخ سنقابل الأندلس
حيث الفتي النحيلُ يصرخ:
ستنجو يا شفيقَ الأب،
وحيث نعرف أننا عميانٌ
مالم نرَ باللسانِ
مستقبلَ الحب،
وحيث يحضن الجندي طفلاً
فوق دبابةٍ
الأمهات
ضلوعُ ذلك الكهل
في الجانب الأيمن
جَرَفهْا سكيّنةُ الجرّاحِ،
والأسّرةُ المفرودةُ مفرودةٌ
لكي يتمدّدَ عليها العائدونَ
من موتٍ إلي برذخٍ،
وهذه المرأة الصامتةُ:
هل ستموت بانفجار الخلايا،
أم بالخرطومِ المدسوسِ في حلقومها؟
حينئذٍ، تبدَي في هواء المشفي
خيالُ أمهاتي:
ميسون، سوسن، حكمت، هبة، أمينة، نعمت، وداد.
كل أمٍّ تطلقُ البخورَ في الزوايا.
لينقضي العفريت،
وتفردُ بُردَتَها لكي تحمي ضَنَاها،
من صقيعِ مشواره الملتبس
كانت الأمهاتُ تنشدن:
خذِ السلامةَ يا وليدَنا
وخذا السلام.
أما الضلوعُ في الجانبِ الأيسر
فسوف تتكفّل بها شركةُ الكيماويّات
هيا، إلي جلسةِ الأكسوچين.
قلب مفـتوح
الولدُ الذي ساءَه
أن أُفضحَ اسمَ أمِّه في الشِّعر،
لم يكن يتوقع أن يخذلَه البُطَيْنُ،
فظل يَعبُّ الهواءَ
حتى تضاءلَ الأوكسجين
في حجرة الضيوف،
وحينما ضاق الطريقُ على منكبيْن،
انتعشت الموسيقي
في غرفة العمليات.
الآن يا شقيقي:
جريحانِ في العائلة
وعلينا توزيعُ الواجبات
حسبَ العمر والرصيد العاطفي:
أنتَ ترعي مسيرةَ الغُرز،
محاذراً من الكُحَّةِ والقهقهاتِ والكوارع،
وأنا أحملُ إليكَ الفتاةَ
التي أتلفَ جسمَها الصدأُ،
كي تضعَ على وسادتك مجسَّمَ عمارةٍ،
أنت تلاحظ الدلالَ المفاجئَ
في فصيلةِ الدّم،
محافظاً على خشونةِ الحنجرة،
وأنا أترك لكَ اعترافاتي الصغيرةَ،
كي تنجزَ بها جُرْسَةَ المستقبل.
أما الولدُ الذي شهَّرتُ
باسم أمِّه في الشعر،
فقد أدخلَ رأسَه في قفصه الصدري
المشجوج بفأسٍ،
وصاحَ:
ما كلُّ هذا الدمِ الأنثوي
في عروقِ مدرِّس الأحياء؟
هو الآن يقرأ الغرامَ المسلح
حتى يستعينَ بصدام الحضارات
على اكتشاف قنطرةٍ
بين الأُذَيْن ونفسِه.
هو الآن غائصٌ في دفترِ السُّلالات،
حتى يقيسَ بالشِّبر
المسافةَ بين انغلاقةِ التاجي
في صدرِ تاجر الموالح،
ولمعةِ المشارطِ التي توهّجتْ في
شبين الكوم.
هو الآن عاكفٌ على البلازما،
حتى يستبينَ لونَ الرّيشةِ التي
حطَّتْ في شعيراتِ شقيقه،
حين كان ينثر اسمَ زاهية
في الشِّعر،
كنوعٍ مُسْتَحَْدَثٍ من السِّماد للتُربة:
فتخضرُّ أرضٌ،
وتزهرُ نوّارةُ البرسيم
شرفة ليلى مراد
أسمهان
صادفوها
وهى تحمى بأسودها
أبيضها
الذى يجر عليها قذى الشوارع
مأزقها:
أن الانطباعات الأولي
تدوم
كيف إذن ستغني
أسقيه بيدى قهوة؟
نظرية
البكارة
ملك الأبكار
وحدهم
حتى لو كرهوا
نظرية التملك
رومانسية
نقاوم الشجن بعصر ما بعد الصناعة
لكن مشهد عبد الحليم وأخيه
فى حكاية حب،
ينتقم للقتلي
البلياتشو
تعبنا من توالى الامتحانات،
فلماذا لا يصدق الناسُ
أن الأرض واسعة؟
لنعط أنفسنا للمفاجأة،
راضين
مرضيين
البلياتشو جاهز للوظيفة،
حتى لو شك الجميعُ
فى إجادته العمل
الأزبكية
يقسو على نفسه موبخاً: يالطخ، الجميلات لا يصح أن يصعدن السلالم وهن معلقات على ذكرى الأب الذى يظهر خفيفا فى القصص.
ظلت دعوة الشاى مؤجلة حتى ماتت التى فى مقام الأم أثناء حمى الطوائف. وقبل
موتها بربع قرن اعتزلت ذمية تياترو الأزبكية ليصير لديها وقت لتناول
الينسون كطيف من زمان السلطنة.
لعلنى أنا الذى فى الحديقة، أمزج الشحاذة بالغرام، مصطنعا الاعرجاج فى ساقى، والعكاز تحت الإبط، فهل أنت الواقفة فى شرفة ليلى مراد؟
طائرات
البيوت تأكلها الرطوبة،
لذلك يطلقون الطائرات الورقية
على السطوح،
ليثبَّتوا بها المنازل على الأرض
حراسة
ليس من حل أمامي
سوى أن استدعى اللهَ والأنبياءَ
ليشاركونى فى حراسة الجثة
فقد تخوننى شهوتي
أو يخذلنى النقص
طاغور
تنام متخففة من شدادة الصدر،
وعندما تصحو فى مواجهة السقف،
تلوذ بغوايش طاغور
فرقة الإنشاد،
تشنجات حلقة الذكر
تقبيل يد القطب،
هذا هو تأصيل الرغبة
تهكم الجراحون على أهل العواطف،
وعيناك ترفضان النصيحة
بسبب المنام رأتا فيه
البلطة تتدلى مكان الفلورسنت
الأندلس
أنت خائفة،
وعماد أبو صالح خائف،
والطفلة التى اتخذها النذل
ذريعة للنجاج
خائفة
يارب أعطهم الأمان
لم يتحدث أحد عن الأندلس
كل ما جري
أنك نظرتِ فى المرآة
فوق:
رمزية الترمس،
وسماء تحتَكُّ برهة بنهدين،
ثم تلتف حول نفسها مسطولة
فوق:
ونحن معلقان فى الفراغ
كان لابد أن تقال كلمة مشبوهة
قبل أن تضمحل الدول
الأحرار
الرب ليس شرطيا
حتى يمسك الجناة من قفاهم،
إنما هو قروى يزغط البط،
ويجس ضرع البقرة بأصابعه صائحا:
وافر هذا اللبن
الجناة أحرار لأنهم امتحاننا
الذى يضعه الرب آخر كلّ فصلٍ
قبل أن يؤلف سورة البقرة
الطائر
الرب ليس عسكرى مرور
ان هو إلا طائر،
وعلى كل واحد منا تجهيز العنق
لماذا تعتبين عليه رفرفته فوق الرءوس؟
هل تريدين منه
أن يمشى بعصاه
فى شارع زكريا أحمد
ينظم السير
ويعذب المرسيدس؟
صلاة إلى الكلمة
ذريني في الريح
ذريني في الريح إذا انطفأت يوما خفقات صلاتي
في محرابك
إن سئمت نجماتي من طول التسبيح على بابك
إن لملمت حروفي عن أعتابك
* * *
كوني لي النار
كوني لي الشمس, الوهج, النجم, الليل, الأعصار
في القحط المضني أمطار
كوني لي النار
تحرقني كيما يبقى ترتيلي في عتبات الحرف الصادق
قربانا يهديه العاشق
للمحبوب...
* * *
أنت الرب
أنت الرب فإن أخطأنا
فالمغفرة ضياء الأرباب
مدي الزورق يحملنا للشط الساجي
يزرعنا في الأرض غلالا, أثمارا, أعشاب
* * *
لمي عنك أثمارك, أغصانك
وارميني محروما, وفقيرا,
وذليلا من غير رداء
أو قولي للشط الساجي
ألا يفتح لي الحضن المعطاء
إن أبحرت إليه وكلماتي باردة,
يقعى الثلج عليها, خرساء
* * *
يا ربي الأوحد..
إن بهتت أشواق العبد من الدمعة إذ أبكي
إن خفتت صلواتي
إن ركعت في باب آخر, لم تركع في بابك
فارميها في الديجور حطاما, وفتاتا وتراب
فسراب كل الأبواب
* * *
لكن إن أخطأت فلم يأت الحرف
منصهرا كالذهب الخارج من كف الشمس
بل جاء جنينا من رحم تراب..
فابتسمي أن صليت عليك ولو بالصلوات المجروحة
وهبيني من كفك شمعات الدرب
إذ أنت الرب
أنت الرب فإن أخطأنا..
فالمغفرة ضياء الأرباب
المرأة التي تعرّتْ أمام مجلس الوزراء
هذي غيبوبةُ شطحٍ صوفي:
حين انجرَّ الجسدُ علي الأسفلتِ
رأيتُ أبي
يطوي السجادةَ بعد صلاة الفجرِ،
ويختتم الوِرْدَ علي الدمعِ.
وحين هوتْ هرّاواتُ فوق الرأسِ
رأيتُ أبا العباسِ المرسِي
يسير بغير النعّل علي جمرِ،
ويطير علي أضرحةٍ
فيما الأضرحةُ تحفُّ بموجٍ يجري
خلف الموجِ،
علي كل ضريح
فَرَسُ نبي يركض جنبَ اللورّياتِ.
وهذي غيبوبةُ شطحٍ صوفي:
لما هَوَت الأحذيةُ علي نهدي
تبسَّمَ شبحٌ وهو يحدّثني:
نادي الحلاّجَ لينقذَكِ ولن ينقذَكِ الحلاجُ،
ونادِي المعتصمَ لينجيكِ ولن ينجيكِ المعتصمُ،
ونادي التوحيدي فلن يسمعكِ التوحيدي
لأنا سوفَ نصيرُ هذا الجسدَ الفائرَ
درساً في سوء الحظِ.
أما قلنا: قَرّي في البيتِ؟
أما قلنا: عِطرُكِ معصيةٌ،
وحبالُ الحنجرة ينابيعُ الإثمِ؟
أما قلنا: الأدني أدني؟
هذي غيبوبةُ شطحٍٍ سطح صوفي،
حين انتزع العسكرُ ثوبي
شفتُ الخِضْرَ يطوف علي الشهداء
بخبزِ الرحمنِ،
وشفتُ حُماةَ العِرْض يجرِّسهم جرحُ الطفلِ،
وشفتُ القار علي كابِ العُقداء،
فقال دراويشُ الحَضْرةِ:
لستِ تبيتينَ علي ضَيمٍ.
هذه غيبوبةُ شطحٍ صوفي:
راياتٌ فوق مآذنَ ، ومريدونَ،
وموءوداتٌ، جُبَّةُ مصلوبينَ،
الحُورُ العينُ، رجالٌ قوّامونَ علي النسوةِ،
ويماماتٌ خضراءُ.
انزاحتْ غُمَّةُ شوْفٍ،
وانكشفَ حجاتُ،
فرأيتُ البلدَ الآمنَ:
مَسْخرَةً.
صائد العيون
علّمني كهّاني أن أتخصص في البؤبؤ.
… فالبؤبؤ جوهرة المرء،
كما أن التصويب عليه بحرفنة
برهانُ الموهبة الربانية،
أوسلمة ترق في درجات الرضوان.
أنا القرنيات هيامي،
لا الصدر ولا البطن ولا الرأس
تهيّج لذة فوهتي والناشنكاه،
فقد دربتُ الماسورة في ليل الكهان
علي شهوة أن تسكن ورداتي
بين الرمش وبين الرمش.
أنا أكره كل عيون بني آدم،
فعيون المرء هي البوابات،
هي الكشّافة لسواد النفس السوداء،
هي الفضّاحة للبطش.
بليل يهجم ماضي الموغل فيّ عليّ:
عيون فقير هزمتني
حين تجبّرتُ بجاه الأهل،
وكنت أظن الجاه يكسره ويرممني،
نظرات فتاة القرية سخرت مني،
حين زهوت بنجمات تلألأ في كتفيّ،
وأعطت فلتها للنسّاج المتقشّف،
حين ظننتُ النجمات تستّف طبقات
فوق الطبقات،
عيون الفتية في الميدان
تشظّت تحقيرا لخطاي،
إذا خطوي خرق الأرض،
وكنتُ تشرّبت سلافة: نحن الأعلون.
أنا أدّبني الشيخ
علي أن التنشين صبابات،
وعلي أن السكني بين الجفن وبين الجفن
هي الأدفأ،
حين يصير سواد الدنيا موعظة.
كان الدرسُ يقول:
الهدفُ هو الحلمُ النابضُ بين الهدبين،
فركّزْ في الخيط الواصل بين الفوّهة وبين
النظرات،
فذاك دليلُ التربية العليا.
كنتُ المتميز والمائز والممتاز:
فكلّ مراسيلي كانت إعلانا لرهافة حسّ
ومؤشر عافية لفؤادي،
فإذا نزّتْ عين الفتيان نضارتها
انفكّتْ عُقد في قاعي،
وإذا وضعتْ فوق عيون الشبّان ضمادات
بردتْ ناري،
وإذا غربتْ شمس تحت الحاجب،
أحسستٌ بتاج يعلو رأسي.
أنا قدمي أعلي من هامات الدهماء،
وسوف يهندم ربُّ العائلة
وشاح الفخر علي صدري،
ويلقبّني في الحفل:
القنّاص الأمثل،
وسيهديني الجنرالات ثلاث جوائز:
جمجمجة،
أكفانا،
أطباق عيون مفقوءة.