يوسف ادريس


الكاتب المصرى الكبير 
يوسف ادريس 

بيت من لحم
الخاتم بجوار المصباح . الصمت يحل فتعمى الاذان . فى الصمت يتسلل الاصبع . يضع الخاتم. فى صمت ايضا يطفأ المصباح . والظلام يعم .
فى الظلام ايضا تعمى العيون. الارملة وبناتها الثلاث. والبيت حجرة. والبداية صمت.
* * *
الارملة طويلة بيضاء ممشوقة ، فى الخامسة والثلاثين. بناتها ايضا طويلات فائرات، لا يخلعن الثوب الكاسى الاسود بحداد او بغير حداد . صغراهن فى السادسة عشرة وكبراهن فى العشرين .. قبيحات ورثن جسد الاب الاسمر الملئ بالكتل غير المتناسقة والفجوات ، وبالكاد اخذن من الام العود .
الجحرة ، رغم ضيقها تسعهن فى النهار . رغم فقرها الشديد مرتبة انيقة ، يشيع فيها جو البيت وتحفل بلمسات الاناث الاربع . فى الليل تتناثر اجسادهن كأكوام من لحم دافئ حى ، بعضها فوق الفراش ، وبعضها حوله ، تتصاعد منها الانفاس حارة مؤرقة ، احيانا عميقة الشهيق .
الصمت خيم مذ مات الرجل ، والرجل مات من عامين بعد مرض طويل . انتهى الحزن وبقيت عادات الحزانى وابرزها الصمت .. صمت طويل لا يفرغ اذ كان فى الحقيقة صمت انتظار فالبنات كبرن والترقب طال والعرسان لا يجيئون . ومن المجنون الذى يدق باب الفقيرات القبيحات ، وبالذات اذا كن يتامى ؟ . ولكن الامل بالطبع موجود ، فلكل فولة كيال ولكل بنت عدلها . فاذا كان الفقر هناك فهناك دائما من هو افقر، واذا كان القبح هناك فهناك دائما الاقبح والامانى تنال.. احيانا تنال بطول البال .
* * *
صمت لم يكن يقطعه الا صوت التلاوة … يتصاعد فى روتين لا جدة فيه ولا انفعال . والتلاوة لمقرئ ، والمقرئ كفيف ، والقراءة على روح المرحوم وميعادها لا يتغير .. عصر الجمعة يجئ بعصاه ينقر الباب ، ولليد الممدودة يستسلم ، وعلى الحصير يتربع . وحين ينتهى يتحسس الصندل ، ويلقى بتحية لا يحفل احد بردها، ويمضى. بالتعود يجئ ..بالتعود يقرأ .. بالعادة يمضى ، حتى لم يعد يشعر به او ينتبه اليه احد ..
دائم هو الصمت ، حتى وتلاوة عصر الجمعة تقطعه اصبحت وكأنها قطع الصمت بصمت . دائم هو كالانتظار ، كالامل .. امل قليل ولكنه دائم، فهو امل فى الاقل . دائما هناك لكل قليل اقل ، وهن لا يتطلعن لاى اكثر .. ابدا لا يتطلعن .
يدوم الصمت حتى يحدث شئ .. يجئ عصر الجمعة ولا يجئ المقرئ . فلأى اتفاق مهما طال نهاية وقد انتهى الاتفاق .
وتدرك الارملة وبناتها الان فقط كنه ما تقدم ، ليس فقط الصوت الوحيد الذى كان يقطع الصمت ، ولكن ايضا الرجل الوحيد الذى كان ولو فى الاسبوع مرة يدق الباب ، بل اشياء اخرى يدركن .. فقير مثلهن هذا صحيح ، ولكن ملابسه ابدا كانت نظيفة ، وصندله دائما مطلى ، وعمامته ملفوفة بدقة يعجز عنها المبصرون ، وصوته قوى عميق رنان .
والاقتراح يبدأ : لماذا لا يجدد الاتفاق ومنذ الان ؟ ولماذا لا يرسل فى طلبه هذه اللحظة ؟ مشغول ، فليكن ! الانتظار ليس بالجديد . وقرب المغرب يأتى ، ويقرأ وكأنه اول مرة يقرأ ، والاقتراح ينشأ .. لماذا لا تتزوج احداهن رجلا يملأ علينا بصوته الدار ؟ هو اعزب لم يدخل دنيا ، وله شارب اخضر ، ولكنه شاب . وبالكلام يجر الكلام ، ها هو الاخر يبحث عن بنت الحلال .
البنات يقترحن والام تنظر فى وجوههن لتحدد من تكون صاحبة النصيب والاقتراح . ولكن الوجوه تزور مقترحة – فقط مقترحة – قائلة بغير الكلام : أنصوم ونفطر على أعمى ؟ هن مازلن يحلمن بالعرسان ، والعرسان عادة مبصرون ، مسكينات لم يعرفن بعد عالم الرجال ، ومحال أن يفهمن أن الرجل ليس بعينيه .
- تزوجيه انت يا أماه .. تزوجيه
- انا ؟ يا عيب الشوم ! .. والناس ؟
- يقولون ما يقولون .. قولهم اهون من بيت خال من رنين صوت الرجال .
- أتزوج قبلكن ؟ مستحيل
- اليس الافضل ان تتزوجى قبلنا ، ليعرف بيتنا قدم الرجال فنتزوج بعدك ؟ تزوجيه يا اماه
وتزوجته .. زاد عدد الانفس واحدة ، وزاد الرزق قليلا ، ونشأت مشكلة اكبر .
الليلة الاولى انقضت وهما فى فراشهما ، هذا صحيح ولكنهما حتى لم يجسرا على الاقتراب .. ولو صدفه ! .. فالبنات الثلاث نائمات ، ولكن من كل منهن ينصب زوج من الكشافات المصوبة بدقة الى المسافة الكائنة بينهما .. كشافات عيون ، وكشافات آذان ، وكشافات احساس . البنات كبيرات ، عارفات ومدركات ، والحجرة كأنما تحولت بوجودهن الصاحى الى ضوء نهار . ولكن بالنهار لم تعد ثمة حجة ، وواحدة وراء الاخرى تسللن ولم يعدن الا قرب الغروب ، مترددات خجلات يقدمن رجلا ويؤخرن رجلا ، حتى يزددن قربا وحينذاك يدهشهن .. يربكهن .. يجعلهن يسرعن ضحكات .. قهقهات رجل تتخللها سخسخات امراة .. امهن لابد تضحك ، والرجل الذى ما سمعنه الا مؤدبا خاشعا ها هو يضحك ! بالاحضان قابلتهن ولا تزال تضحك ، راسها عار وشعرها مبلل ممشط ولا تزال تضحك ، وجهها .. ذلك الذى ادركن للتو انه كان مجرد فانوس مطفأ عشعش فيه العنكبوت والتجعيدات ، فجأة انار ، ها هو امامهن كلمبة الكهرباء مضئ . ها هى عيونها تلمع وقد ظهرت وبانت وتلألأت بالدمع الضاحك .. تلك التى كانت مستكنة فى قاع المحجر .
الصمت تلاشى واختفى تماما ، على العشاء وقبل العشاء وبعد العشاء نكت تترى واحاديث وغناء ! صوته حلو وهو يغنى ويقلد ام كلثوم وعبد الوهاب ، صوته عال اجش بالسعادة يلعلع .
خيرا فعلت يا اماه ! وغدا تجذب الضحكات الرجال ، فالرجال طعم الرجال .
نعم يا بنات ، غدا يجئ الرجال ويهل العرسان . ولكن الحق ان ما اصبح يشغلها ليس الرجال او العرسان ولكنه ذلك الشاب كفيف فليكن ، فما اكثر ما نعمى عن رؤية الناس لمجرد انهم عميان . هذا الشاب القوى المتدفق قوة وصحة وحياة ، ذلك الذى عوضها عن سنين المرض والعجز والكبر بغير أوان .
الصمت تلاشى وكأن الى غير رجعة ، ضجيج الحياة دب . الزوج زوجها وحلالها وعلى سنة الله ورسوله ، فماذا يعيب ؟ وكل ما تفعله جائز ، حتى وهى لم تعد تحفل بالمواربة او بكتمان الاسرار . حتى والليل يجئ وهم جميعا معا ، فيطلق العقال للارواح والاجساد، حتى والبنات مبعثرات متباعدات يفهمن ويدركن وتتهدج منهن الانفاس والاصوات ، مسمرات فى مراقدهن يحبسن الحركة والسعال .. تظهر الاهات فجأة فتكتمها الاهات .
كان نهارها "غسيل " فى بيوت الاغنياء ، ونهاره قراءة فى بيوت الفقراء ، ولم يكن من عادته اول الامر ان يؤوب الى الحجرة ظهرا ، ولكن لما الليل عليه طال والسهر اصبح يمتد ، بدأ يؤوب ساعة الظهر يريح جسده ساعة من عناء ليل ولى واستعدادا لليل قادم . وذات مرة بعدما شبعا من الليل وشبع الليل منهما ، سألها فجأة عما كان بها ساعة الظهر، ولماذا هى منطلقة تتكلم الان ومعتصمة بالصمت التام ساعتها ؟ ولماذا تضع الخاتم العزيز عليه الان – اذ هو كل ما كلفه الزواج من دبلة ومهر وشبكة وهدايا – ولماذا لم تكن تضعه ساعتها؟
كان ممكنا ان تنتفض هالعة واقفة صارخة . كان ممكنا ان تجن . كان ممكنا ان يقتله احد . فليس لما يقوله الا معنى واحد ، ما اغربه وابشعه من معنى !
ولكن غصة خانقة حبست كل هذا وحبست معه انفاسها .. سكتت . بآذانها التى حولتها الى انوف وحواس وعيون راحت تتسمع وهمها الاول ان تعرف الفاعلة . انها متأكدة لامر ما انها الوسطى . ان فى عينيها جرأة لا يقتلها الرصاص اذا اطلق .. ولكنها تتسمع الانفاس الثلاثة تتعالى عميقة حارة كأنها محمومة .. ساخنة بالصبا تجأر ، تتردد ، تنقطع ، احلام حرام تقطعها .. انفاس باضطرابها تتحول الى فحيح .. فحيح كالصهد الذى تنفثه اراض عطشى ، والغصة تزداد عمقا واحتباسا . انها انفاس جائعات ما تسمع، بكل شحذها لحواسها لا تستطيع ان تفرق بين كومة لحم حى ساخنة مكتومة وكومة اخرى . كلها جائعة ! كلها تصرخ وتئن ، وانينها يتنفس ليس انفاسا ، ربما استغاثات . ربما رجوات .. ربما ما هو اكثر .
غرقت فى حلالها الثانى ونسيت حلالها الاول .. بناتها ! والصبر اصبح علقما ، وحتى سراب العرسان لم يعد يظهر . فجأة ملسوعة ها هى كمن استيقظ مرعوبا على نداء خفى .. البنات جائعات ! الطعام حرام صحيح ولكن الجوع احرم .. ابدا ليس مثل الجوع حرام ! انها تعرفه .. عرفها ويبس روحها ومص عظامها ، وتعرفه – وشبعت ما شبعت – مستحيل ان تنسى مذاقه .
جائعات وهى التى كانت تخرج اللقمة من فمها لتطعمهن … هى التى كان همها حتى لو جاعت ان تطعمهن ، هى الام ، انسيت ؟
والح مهما الح تحولت الغصة الى صمت. الام صمتت ومن لحظتها لم يغادرها الصمت .
وعلى الافطار كانت – كما قدرت تماما- الوسطى صامتة
وعلى الدوام ظلت صامتة
والعشاء يجئ والشاب – سعيدا وكفيفا ومستمتعا – ينكت لا يزال و يغنى ويضحك ولا يشاركه الضحك الا الصغرى والكبرى فقط .
ويطول الصبر ويتحول علقمه الى مرض ولا احد يطل .
وتتأمل الكبرى ذات يوم خاتم امها فى اصبعها وتبدى الاعجاب به ، ويدق قلب الام وتزداد دقاته وهى تطلب منها ان تضعه ليوم ، لمجرد يوم واحد لا غير . وفى صمت تسحبه من اصبعها . وفى صمت تضعه الكبرى فى اصبعها المقابل .
وعلى العشاء التالى تصمت الكبرى وتأبى النطق
والكفيف الشاب يصخب ويغنى ويضحك، والصغرى تشاركه
ولكن الصغرى تصبح – بالصبر والهم وقلة البخت – اكبر ، وتبدأ تسأل عن دورها فى لعبة الخاتم ، وفى صمت تنال الدور .
والخاتم بجوار المصباح … الصمت يحل فتعمى الآذان . وفى الصمت يتسلل الاصبع صاحب الدور ويضع الخاتم فى صمت ايضا ويطفئ المصباح والظلام يعم ، وفى الظلام تعمى العيون . ولا يبقى صاخبا منكتا مغنيا ، الا الكفيف الشاب .فوراء صخبه وضجته تكمن رغبة تكاد تجعله يثور على الصمت وينهال عليه تكسيرا . انه هو الاخريريد ان يعرف .. عن يقين يعرف . كان اول الامر يقول لنفسه انها طبيعة المرأة التى تأبى البقاء على حال واحد ، فهى طازجة صابحة كقطر الندى مرة ، ومنهكة مستهلكة كماء البرك مرة اخرى . ناعمة كملمس ورق الورد مرة . خشنة كنبات الصبار مرة اخرى . الخاتم دائم وموجود صحيح ،ولكن وكأنما الاصبحع الذى يطبق عليه كل مرة اصبع انه يكاد يعرف، وهن بالتأكيد كلهن يعرفن، فلماذا لا يتكلم الصمت ؟ لماذا لا ينطق ؟
ولكن السؤال يباغته ذات عشاء، ماذا لو نطق الصمت ؟ ماذا لو تكلم ؟
مجرد التساؤل اوقف اللقمة فى حلقه
ومن لحظتها لاذ بالصمت تماما وابى ان يغادره
بل هو الذى اصبح خائفا ان يحدث المكروه مرة ويخدش الصمت . ربما كلمة واحدة تفلت فينهار لها بناء الصمت كله ، والويل له لو انهار بناء الصمت
الصمت المختلف الغريب الذى اصبح يلوذ به الكل
الصمت الارادى هذه المرة ، لا الفقر ، لا القبح ، لا الصبر ولا اليأس سببه .
انما هو اعمق انواع الصمت ، فهو الصمت المتفق عليه اقوى انواع الاتفاق ، ذلك الذى يتم بلا اى اتفاق
* * *
الارملة وبناتها الثلاث
والبيت حجرة
والصمت الجديد
والمقرئ الكفيف الذى جاء معه بذلك الصمت ، وبالصمت راح يؤكد لنفسه ان شريكته فى الفراش على الدوام هى زوجه وحلاله وزلاله وحاملة خاتمه ، تتصابى مرة او تشيخ ، تنعم او تخشن ، ترفع او تسمن ، هذا شأنها وحدها ، بل هذا شأن المبصرين ومسئوليتهم وحدهم ! هم الذين يملكون نعمة اليقين ، اذا هم القادرون على التمييز . واقصى ما يستطيعه هو ان يشك ، شك لا يمكن ان يصبح يقينا الا بنعمة البصر ، ومادام محروما منه فسيظل محروما من اليقين ، اذ هو الاعمى ، وليس على الاعمى حرج
ام على الاعمى حرج ؟
 
سورة البقرة
ما كادت الفاتحة تقرأ ويسترد يده من يد الرجل، ومبروك! ويتأمل مليًـا البقرة التي حصل عليها، ثم يتوكل ويسحبها خارجًا، حتى بعد خطوات قليلة وضع فلاح شاب طويل مهول يده فوق اليد الممسكة بالحبل، وبقوة الضغط والعضلات أوقفه قائلاً:
ألا قول لي يا شيخ.. بالذمة والأمانة والديانة.. وقعت بكام؟ وحتى لو لم يذممه فقد كان يريد قول الحقيقة لكي يعرف من وقع الرقم إن كان هو الخاسر أم الكاسب في الصفقة، أجاب:
بالذمة والأمانة والديانة بسبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار.. ولم يتح له أن يقرأ شيئاً في وجه الشاب الضخم، فما كاد يقول الرقم حتى كان الشاب وكأنما انتهى غرضه منه تمامًا، فسحب يده ومضى إلى حاله مغمغماً بكلام مضغوط لا يلوي على شيء. وبعد باب السوق بخطوة اندفع ناحيته رجل بشارب هائش وصوت مزعج عال وكرش، قائلاً:
سلام عليكم
سلام ورحمة الله.
بالذمة والأمانة يا شيخ بكام؟ وبصوت واضح، وحرص شديد هذه المرة على ألا تفوته بادرة، فالبقرة أيام جده كانت بثلاثة جنيهات، وكان أبوه رحمة الله عليه يقول له أن أول بقرة اشتراها في حياته كانت بخمسة، قال:
بالذمة والأمانة بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار.
قال الرجل من تحت شاربه المهوش:
هم.. هيه.. فيها لبن؟ أجاب وأمره إلى الله:
ما فيهاش.
وراها عجل؟
ما وراهاش.
معشرة ؟
طالبة عشر.
ومرة أخرى قال الرجل، بغيظ مكتوم لا يعرف سببه، وبحزن لا يعرف سببه أيضًا:
هم.. هيه.. مبروكة عليك. ومشى.
وعند أول منعطف للطريق الجانبي الماضي إلى الطريق الزراعي العام، رفع فلاح كان يعزق الأرض المجاورة صوته سائلاً:
بتقول بالذمة والأمانة بكام؟ فقال: بسبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار.
فعاد الفلاح يصيح مرة أخرى:
بتقول بكام؟ ورفع صوته عاليًا جدًا أعلى بكثير مما يجب، لا ليسمعه الفلاح فقط إنما ليصل إلى كل الرجال القريبين والبعيدين حتى يكفوه مئونة رد آخر:
- بسبعة.. وتمانين.. جنيه.. وربع.. وبريزة للسمسار…
وقبل أن يسمح لنفسه أن يسمع الرد أو التعليق كان قد أغلق أذنيه ومشى.
وحين وصل إلى الطريق الزراعي الموصل إلى بلده كان قد سئل ثلاث مرات، وأجاب ثلاث إجابات، نقض الذمة والأمانة في ثالثتهما حين كسل أن ينص على بريزة السمسار.
كانت الدنيا لا تزال ضحى، والسوق منتصبة منذ الشروق هذا صحيح، ولكن كان هناك على الطريق قادمون كثيرون، أولئك الذين لا يريدون ضياع اليوم فأنهوا بسرعة أعمالهم ثم اقبلوا مهرولين يلحقون السوق. وعلى أول الطريق الزراعي سأله شيخ معمم بجبة كالحة وقفطان:
دفعت فيها كام بالذمة والأمانة والديانة إن شاء الله ؟ فقط لو أنهم لا يذممونه ويستحلفونه بالأمانة والدين!
سبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار. وبعد خطوة واحدة إذا برجل وكأنه عمدة، يمتطي ركوبة ويستظل بشمسية يزعق بصوت مسلوخ:
بتقول بكام.
سبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار.
غالية شوية إنما تتعوض. وما كاد يخرج عليه الدخان ويبدأ في لف السيجارة حتى حود عليه رجل مسن له لحية اختلط فيها السواد بالبياض:
سلام عليكم.
سلام ورحمة الله..
دستورك منين؟
- من هرية.
شارى ولا بايع؟
مانتاش شايفني راجع، شاري.
واصل ع الشيخ منصور؟
واصل إن شاء الله.
طب بذمتك وحياة الشيخ منصور على قلبك، بكام؟
بسبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار.
يا راجل أنا ذممتك وحلفتك بالشيخ منصور؟
وحياة الشيخ منصور والذمة والأمانة والديانة، وحياة شيخ العرب السيد بسبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار.
يا راجل أنت اشتريت وخلاص، برئ ذمتك وقول الحق.
وأنا يعني ح اكدب عليك ليه، ما قلت لك الحق.
بقى بذمتك وديانتك والأمانة عليك وبركة الشيخ منصور وديتها رقبتك بسبعة وتمانين جنيه وربع؟ - وديني وما أعبد وحياة ربنا اللي أكبر من الشيخ منصور ومني ومنك ومن الدنيا كلها بسبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار.
طب روح يا شيخ الهي إن كنت كدبت ما توعى تعلقها في المحرات.
وتركه ومضى. ولو كان قد بقى أمامه لحظة أخرى لما كان قد استطاع كبح جماح الخاطر الذي كان يلح عليه باستمرار.. أن ينتف ذقنه شعرة شعرة.
وما كاد يمشي أربع أو خمس قصبات حتى- برجاء حار- استوقفه شخص كان منتحيًا جانبًا، يعمل مثل الناس على حافة الخليج الموازي للطريق، وحتى قبل أن ينتهي وهو لا يزال القرفصاء لوى رقبته وسأله:
بالذمة والأمانة بقد إيه؟
بسبعة وتمانين وربع وبريزة.
إيه اللي سبعة وتمانين وبريزة. هم مش يبقوا سبعة وتمانين وخمسة وتلاتين صاغ؟
طب يا سيدي ما تزعلش سبعة وتمانين وخمسة وتلاتين صاغ.
أمال الأول قلت وبريزة ليه؟
عشان هي بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار.
بقة أبقى محلفك بالذمة والأمانة وتكذب.
أنا كدبت؟
مش قلت بريزة للسمسار. هي البريزة تخش في التمن؟
ما دام دفعتها تخش.
لا ما تخشش.
تخش.
لا ما تخشش.
تخش.
أنت كداب.
أنت بارد.
تفوه عليك نفر.
تفوه عليك وعلي خلفوك.
وهو لا يزال متشبثًـا باستماتة في حبل البقرة اندفع ناحية الرجل يريد أن يطبق عليه وينتهي منه، وكان الرجل هو الآخر قد أوقف ما كان يقوم به واندفع ناحيته ويده مستميتة هي الأخرى على (دكة) السروال المفكوك. وبيد متشبثة والأخرى طليقة تريد أن تغور في زمارة رقبة الآخر، كادا أن يتماسكا، لولا أن أولاد الحلال وما أكثرهم على الطريق حالوا بينهما في آخر لحظة، وبعد محاولات لصلح فاشل، اندفع كل منهما، الرجل إلى حافة الخليج، وهو ناحية بلده، وبينهما حبل طويل غليظ من الشتائم ظل يمتد ويرق كلما ابتعدا حتى انقطع وسكت مخنوقـًا. ومد يده يبحث عن العلبة ليلف السيجارة غير أنه اكتشف أنه فقدها في الخناقة، وبلغ الغيظ حد أنه لم يحتمل مجرد فكرة العودة للبحث عنها في مكان الخناقة. وهو في قمة غيظة إذا برجل، يرتدي في عز الحر عباءة، مؤدب وقصير، وما كاد يفتح فمه ويقول: بالذمة والأمانة عليك، حتى كان قد رفع يده إلى آخرها دون أن يدري ثم هوى بها على صدغ صاحب العباءة الممددة في أدب ووقار.
وارتاع الرجل حتى سقطت العباءة من فوق كتفيه، وفكر أن يمسك بخناقه ولكنه في اللحظة التالية كان قد راجع نفسه، وحين تلفت حوله فلم يجد أحدًا من المحتمل أن يكون قد رآه وهو يصفعه عاد للسير وكأن شيئاً لم يحدث وهو يقنع نفسه أن الرجل لا بد مجنون هارب من مستشفى المجاذيب.
وما كاد هذا يحدث حتى وجد صاحب البقرة نفسه يضحك ضحكًا عاليًا متواصلاً وكأنه قد جن فعلاً، وبلغ به الاستهتار حد أنه حين سمع السؤال يلقى عليه من جانب الطريق، اندفع ناحية السائل ورفع يده يحاول أن يهوي بها على صدغه، ولكنه فوجئ بيد حديدية تقيد يده في مكانها، وبكف كأنها من بلوط تهوي على صدغه هو بأربعة أقلام سخية نظيفة جعلت عينيه تقدحان شررًا، بل أعمته إلى درجة لم ير معها ضاربه، ولا فطن إلى أنه ضرب إلا بعد أن أصبح بينه وبين المعتدى مشوار ومشوار.
وعند كشك المرور تمامًا سأله تاجر قمح تخين كان يفرش على جانب الطريق يشتري بالأقداح والشروات من الذاهبات إلى السوق:
إلا قولي يا شيخ العرب، بالذمة والأمانة بكام؟ ولم يكن عربياً أو شيخ عرب، ولكنه بمنتهى التأدب أو بهدوء غريب لا اثر مطلقًا لأية ثورة فيه أجاب: - بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار.
وكأنه لأول مرة يدرك- وبصفاء أيضًا- أنه باع كل شيء ليشتري هذه البقرة بعدما ماتت جاموسته في أول شعبان، بل فطست ولم يلحقها الجزار بالسكين حتى، ولثلاثة أشهر وهو يدبر، وعلى المحصول الذي لا تزال أمامه أربعة أشهر طويلة، ومحفظته إن كانت لم تسرق في الخناقة فليس بها غير جنيه وربع هي آخر ما تبقى معه من نقود الحياة.
بسبعة وتمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار. قالها مرة أخرى، وبصوت مخنوق أعلى حتى حدق فيه التاجر مذهولاً لا يستطيع النطق. وما كاد يلتفت حتى هبط من فوق جسر السكة الحديد رجل كان يحمل عنزة فوق كتفه، وما أن فتح فمه لينطق حتى قال:
بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار. وبعد برهة قابلته امرأة تحمل مقطفًـا ثقيلاً وتنوء بحمله، وقبل أن يصلها أو تدرك وجوده رفع صوته وقال:
بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار. وقالت المرأة (يه) ثم حثت الخطو وكأنها تهرب من شبح. وعند التابوت كانت جماعة قادمة من طريق التوت بعضها راكب وبعضها ماش، ورفع صوته إلى أقصى ما يستطيع وقال:
بالذمة والامانة بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار. وضحكوا، وقال واحد:
الناس انهبلت. بينما تخلف ولدان راحا يشبعانه تريقه وسخرية. وعلى مدخل البلدة رأى جاموسة ترعى على حافة " القيد" فصرخ فيها:
بسبعة وتمانين وربع وبريزة للسمسار. واستدارت الجاموسة ناحيته، ورمقته في بلادة وكسل، ثم عادت تعسعس بشفتيها وأسنانها على الحشيش.
وحين دخل بلده، كان يصيح، سواء سأله أحد أم لم يسأله، قابل شخصاً أم لم يقابل، يقولها هكذا للزرع وللحيطان، وللحر أو للسما، وللأوز وللجنيه وربع، وللأربعة أشهر والأربعة أولاد والولية، وللبهيمة التي ماتت، وللبقرة التي يسحبها، وللشيخ منصور، ولنفسه، وللدنيا كلها:
بالذمة والأمانة والديانة، وبكل كتاب انزل، بسبعة وثمانين جنيه وربع وبريزة للسمسار.

أكان لا بد يا لى لى أن تضيئى النور؟
فى البدء كانت النكتة
وفى النهاية ربما ايضا تكون!
والنكتة فى النكتة أنها ليست نكتة ، ولكنها واقعة حدثت لأهل النكتة ، صناعها المهرة ، ورواتها العتاة
النكتة لم تكن أن يستيقظ هذا العدد الكبير من الناس لأول مرة فى تاريخ حى الباطنية ، وكر الحشيش والأفيون والسيكونال ليؤدوا صلاة الفجر ، هو الذين يبدأ نومهم بأذان الفجر
وليست النكتة أيضا أنهم أدوا الصلاة أنصاف مساطير ، أنصاف يقظى ، ينسى الواحد منهم أنه قرا الفاتحة فيقرؤها ثانية ويعود ينساها ، او يعود يتذكر فيعود ينوى للصلاة فى منتصف الصلاة
النكتة فى الحقيقة حدثت قرب نهاية الصلاة ، نكتة لا تزال تتفجر بها صدور "الحشاشين " فى الحى .. أولئك الذين تعايشوا مع النكت المروية حتى ألفوها ، فما كادوا يعثرون على نكتة حقيقية صارخة دارت وقائعها أمام أعينهم حتى تلقفوها كما يتلقفون "الشيشات " الجديدة ،  وعربات الكارو، والموتوسيكلات والأطفال الجدد ، فيظلون يدندشونها ، وبمزاج يزخرفونها ويتقنون روايتها ويتفننون فى اختراع التفاصيل التى لم تحدث حتى أصبحت أهم وأعز جزء من فولكلور الحى وتاريخه وقصصه ، توارت بجانبها فى الحقيقة ملاحم بطولة ليس أقلها ملحمة "حنتيتة" ونسائه الأربع أمام الضابط والمخبرين فى واقعة زقاق التعبان
النكتة أنهم صلوا الركعة الأولى فى أمان الله وكذلك الثانية ، ولم يعد باقيا على انتهاء الفجر إلا السجدة الأخيرة .. ثم قراءة التحيات والتشهد والتسليم . أما السجود فقد سجدوا . وقال الامام الشيخ : الله أكبر . ثم سجد .. وسجدوا جميعا وراءه . عشرة صفوف طويلة ملأت الجامع الصغير . أناس ساجدون فى خشوع وإن كان سجودا غير مريح ، فمعظمهم كان لم يقرب الصلاة من مدة ، ومفاصلهم وعضلاتهم تصلبت حتى لم تعد تقوى على أوضاع الصلاة .ورددوا "سبحان الله " ثلاثا ، ولكنهم حين لم يسمعوا "الله أكبر" من الامام ايذانا بنهاية السجدة بدأ الوسواس للكثيرين أنهم أخطئوا العدد من جديد ، وعلى مهل قالوها ، وأيضا لم تأت التكبيرة المنتظرة ، وأقلية هذه المرة هو التى عاودها الوسواس ! وأقلية أيضا هى التى بدأت تستنيم للوضع  وتريح رءوسها المتعبة الدائرة لا تزال بما فيها من ارهاق وكيوف .. أما الأغلبية فقد بدأ شئ من الاستغراب القليل يخالجها .. استغراب كان ينهيه احساسهم أن حالا سينطق الامام التكبيرة ويعتدل وينتهى الوضع . وكلما أمعنت اللحظة فى مضيها دون أن تأتى التكبيرة بدأت نقطة الاستغراب القليل يخالجها .. استغراب كان ينهيه احساسهم حقيقة ثم ذهول ، حين تأكد للجميع حتى للأقلية الموسوسة والمستنيمة أن السجدة طالت حقيقة ، وأنها ليست بطئا من الامام أو دعاء خاصا اختار لقوله وضع السجود ، كما تأكد للجميع أنهم ليسوا أمام شئ عابر إنما هم بالتأكيد يواجهون حدثا . لابد أن شئيا قد حدث ومنع الشيخ من اتمام السجدة . هنا تحركت الدهشة الحقيقية وتوزعت ألف احتمال واحتمال راحت تجوب الادمعة المنحنية لا تجرؤ على الاعتدال..رائحة غادية ، متماثلة متناقضة .. أمرض؟ أمات؟ أاغمى عليه؟ . أتكون حشيشة أغراه بها شيطان منهم وبدأت "تكبس" على يافوخه؟
وأيضا ، ورغم هذا كانوا متوقعين فى كل لحظة تالية أن يرتفع صوته بالتكبيرة طاردا الهواجس معيدا الثقة -بأن كل شئ طبيعى ولا غبار عليه- إلى عقولهم التى بدأت تسرح وتمرح وتنطلق إلى ما شاءت من خيال .
ولكن وقتا مضى ، بالضبط لم يستطع أحد تحديده وإنما حسب رواياتهم بين الدقيقتين ونصف الساعة .. إذا تجاوزنا عن مغالاة البعض وقولهم إنه استمر حتى سمعوا أذان الظهر من الجامع الأزهر .. ناهيك عن المهولاتية الذين يصر ون على أنهم للأن لا يزالون ساجدين.ولكن المؤكد أن وقتا مضى بحيث أصبح مؤكدا حتى لاكثرهم غيابا عن الوعى أن الشيخ ليس أبدا على ما يرام ، وأن التكبيرة بالتأكيد لم تصدر عنه وتنهى سجودهم الذى جعل الشخير يتصاعد من حلقين على الأقل من الحلوق التى تراخت وبدأ لعابها يسيل. وهنا فقط بدأ يتجسد أمامهم إشكال حقيقى يواجهه كل منهم منفردا ولأول مرة فى حياته .. ماذا بالضبط عليه أن يفعل ؟ وما هو حكم الدين فى موقف كهذا ؟ وهل اذا رفع أحدهم رأسه تفسد صلاته -وربما صلاة الجماعة بأسرها- ويحمل هو وحده ذلك الوزر كله؟ وهل يحتمل أحدهم أن يكون هو دونا عن الساجدين جميعا المتسبب فى أفساد للصلاة ؟ العودة الحديثة لله وبيته وحظيرة الدين جعلتهم مرة أخرى يرون الله ماثلا بجناته وجحيمه ووعده ووعيده أمام عيونهم .. هم كالتلاميذ يعودون ومن تقلاء أنفسهم إلى المدرسة بعد طول "بلطجة" و "تزويغ" .. الرهبة من الخطأ أو من الإقدام عليه مسألة لا يمكن أن يحتملها تائب حديث التوبة مثلهم .. أو يفكر فيها . ولكن الوقت يمتد ، الوقت الحقيقى يمتد ، ووقت كل منهم الخاص المم دود بطبيعته يمتد ويتضاعف وتصبح الدقيقة فيه بعام .. يمتد الوقت حتى لتبدأ أفكار شيطانية خبيثة تخطر لبعضهم أكثرها شرا بالتأكيد فكرة أن يضحك ، ليس فقط على الوضع الذى هم فيه وإنما على ما يمكن أن يحدث لو أن الشيخ الأمام قد وافته سنة من النوم