عيسى بن محمود


عيسى بن محمود

سيرة ذاتية
عيسى بن محمود من مواليد 1968 باولاد دحمان - الجزائر- قاص  صدر له:
الشليطة تغمر المدينة مجموعة قصصية
رحيل مجموعة قصصية
مهتم بالفن التشكيلي.
 
اجهاضات قصيرة
إجهاض أول:
لم تعهد البلدة ذاك, شامخا برأسه تداعب أهدابه السحب , استقدمــــوه و أوثقوه بعدما وثق بإخلاص فيهم, رفع الأسود المخصي المدية عاكـــــسة وهج الفضاء , أهوى فعلى الثغاء و نحر فنزلت الدموع مالحة طعم القـلوب  و تسامت الروح إلى حيث المطر .
مضت السنة قحطا و الأخرى, سبعا عجافا متتاليات, لم تعهد البلدة ذاك.
إجهاض ثاني:
شوهد في المطار , اشرأبت إليه الأعناق , حدقت فيه العيون, تناقلــــــت خبر تواجده الصحف و كتبت عنه الجرائد و حضرت إلى عين المكــــــــان التلفزة.
- قدم من بلد أجنبي
- يعمل سفيرا
- يعمل أميرا
- يعمل وزيرا
- بل هو ممثل شهير
وحدها إذاعة محلية تنبهت: انه ليس سوى عربي جميل.
إجهاض ثالث:
و فتح المصراعين أخيرا, يدفع بما حمل أمامه و يلاقى بالتقــــــــبيل و العناق, ثالث و رابع و ألف..
كتلة من بقاياهم تتقدم و تتقدم,  يظهر خلفها و قد أنهكته و امتصت عصارة حياته سيدة البقايا, دافعا بيد متوكئ بالأخرى , باحثا بعينيه ذات اليمـــــــين و ذات غيره , لم يتعرف إلى أحد من المنتظرين في المطار و لم يتــــعرف احد على هذا الـ بقايا إنسان.
إجهاض رابع:
ادلهمت و اسودت و احمرت بزرقة حالكة , صعد و أعلـــــــــــن بعد نحنحته المعهودة موعد الإفطار,
مالت الزرقة الحالكة يمينا و الحمرة شمالا و تلاشى السواد بسيوف أشعــــة الشمس,
- اح..اح.. أيها الناس اللي يسمعكم بالخير و العافية
خرجت الأفواه و الشدوق ملأى تتساءل عن هذا النبأ العظيم
-امسكوا..امسكوا..لازال موعد الإفطار بعيدا.
إجهاض خامس:
لم يعد يهتم أكثر بالأمسيات و الندوات , الشعر لا يطعم, هو الرقيق اللطيف الحنون سيبيعهم حليب أطفال , سيتعاطف مع الفقراء ,
الأدراج ملأى  و القلب هوى
الأدراج نصف ملأى و الصندوق هواء
الأدراج هواء و الصندوق هواء  و القلب فؤاد شاعر.
إجهاض سادس:
دعكته العجوز جيدا بالمرهم الذي أحضره والده من الخارج
الجدة تحسن تقويم الظهر
في الغد كان اللباس قد التصق تماما و رائحة الغراء تزكم الكل.
 

طقوس الغضب
لا داعي للنظر إلى موطئ القدم،فالذي أمام عينيك يشعرك بالغواية ،يأخذ بك إلى ما بعد النظر،يأسرك تشكل الأمواج،تقترب أكثر تجاه الشاطئ،تداعب الرمال رجليك في نعومة،علمها البحر احتضان الوجود،لم تعد تدري كم مر عليك بالمكان،العمر هنا امتداد أسطوري ،لا فرق بينك وبين الإنسان الأول،عناق الطبيعة للجمال مسح من قلبك كل ضغينة وعن بصرك كل مشين،الشاطئ بكر يجعلك طينة أولية،إحساسها الوحيد التماهي مع المكان،أنت تلقي بالتحية على الجميع دون أن تحرك شفتيك،والكل يردون دون أن تتحرك شفاههم أيضا،يكفي فقط التقاء النظر ليشعرك بتبادل التحية .
لم تخل بطقوسك هذا المساء،نزولك إلى الشاطئ في نفس التوقيت الذي تودع فيه الشمس صفيحة الماء،وترك العنان لرجليك ملامسة الرصيف بهدوء،الأضواء تشعرك أن شيئا غريبا سيحدث،لونها مع هذا الغروب فاقع،الناس في عجلة،لا أحد منهم يحدث أحدا يتحركون بسرعة في اتجاهات مختلفة،وكأنهم فقدوا وجهتهم المعتادة،حاولت إرسال التحية لا أحد منهم نظر في وجهك،لم تستطع الاقتراب منهم،دبيب الحركة يشعرك بالخوف،تحاول قراءة الملامح،لكنك لا تستطيع تبينها.
خلوتك تحتضنك هذه الليلة في وحشة،طقوس جديدة لم تعهدها تحدث في كل مكان،كل الغوايات الهادئة غادرتك،تجعدت ملامح هذا المكان الذي يهينك بصمت،لملمت رجليك الممددتين في تثاقل….
قال الراوي انك خرجت تبعد بكلتا يديك أسراب الناموس،أزبد البحر بحمرة وعلا صراخ عاهر مع الموج،مرة أخرى تحاول تبين الملامح،الكل في ثياب مبللة تلتصق بأجساد مشوهة،أخذت كل الأعين تشع بلون احمر باهت،صخب الموج يعلوه تارة صوت تهاوي الأشجار،وأخرى تمتمات لم تتبينها،البحر،الموج،المدى،الأرصـفة
الأصوات من كل مكان ومن كل الأشياء واللا أشياء ,الأشجار،التلال الجبال،الو هاد الحب،البغض السأم،المتعة اللحظة انطبقت وتماهت الأشياء.
قــــــال الراوي انك لبست لون الصدأ لما اعتلى المكان معلنا طقوس الغضب، في خشوع التف حول عرشه الذين ابتلت أجسادهم وأخذت الوفود في المرور أمام شموخه، تقدم وفد الذين اصهروا أنوثة الصحراء للبحر:
- يا سيدي عكاشة¹، يا من عتق مد الموج بصهوة الرمل، صفها لنا يا سيدي لنفتديها…
اجترت المسفات نفسها لما انتفخت أوداجه:
-كانت تمشي في سلام,
 تقدم وفد الذين أغرتهم طهارة الملاك فاطفأوا الأضواء،قالوا:
- يــــا سيدي عكاشة ،أيها الشامخ شموخ "ايدوغ"² أنت الذي وسمت زبد البحر بالبياض صفها لنا سيدي،ما لونها،أفارض هي أم بكر؟
 مددت المسافات المجترة نفسها:
-كانت تمشي في سلام
 احنوا رؤوسهم وانتحوا،
تذكرت صخب النغمات الفاجرة التي صدتك عن حاضرك الأسر لما تقدم وفد الذين تكر شوا:
- جئنا نفتديــها يا سيـدي عكاشة مثلما افتدينا غيرها،ما كانت تثـــير الأرض ولا
تسقي الحرث, قل لنا فقط كم ندفع مع ارتفاع كل موج؟
تململ في شموخه، استطالت اللحظة ،قال:
-كانت تمشي في سلام
تتالت الوفود ،الذين نزعوا للنخلة خلخالها ثم استباحوها،الذين استعر شوا،الذين باعوا شبق النخل بمسوق الرحيل. قال الراوي إن سيدي عكاشة أمر الذين ابتلت ثيابهم والتصقت بأجساد مشوهة أن يجمعوا كل القطيع إلى ثلة الصخر،وانه مدد رجليه في الماء وتوزعته الموجة التي صدمت الشاطئ،وانك من قام ببناء ضريحه،وانك وحدك من رأيته يختفي في المدى متسربلا موجة متوكئا على نورسة مدهمة البياض،وانك من يومها لم تعد أنت.
 ..¹-شاطيء ببلدية شطايبي –عنابة –وبه ضريح
..²أعالي السلسلة الجبلية عنابة

 
قصة تحت الطلب
تحمست للفكرة كثيرا’ بل وراحت ترسم أفاق الفرح الذي سيرتسم على محيا صديقتها’ طلب منها أن تخبرها عن رغبته في خطبتها ’ و لم يكن لها أن تتردد ’ تعرفه منذ مدة و لا يمكنها رفض طلبه  فهو صديق و هي بدورها تقدر الصداقة التي هي بمنزلة الأخوة, و تعرف صديقتها  بتفاصيل ألامها  و أمالها و أحلامها و مكامن طيبتها , ترى كيف سيرتسم الفرح على محياها ’ كيف سيعلو وجهها الخجل الأنثوي البريء حينما تخفض رأسها و تنسدل تلك الخصلة من الشعر على عينيها و تقول لها:
-هو قال لك ذلك؟
راودتها تلك الصور و هي تهم بإخبار صديقتها:
-كما سبق و أخبرتك ’ إنه يلح على موافقتك ’ انه شاب طيب حنون و متخلق, أعرفه منذ مدة’ سأكون في غاية الفرح و أنتما تقترنان معا ’ ستشكلان أسرة رائعة’ ..أكيد’ آه لكم أهفو إلى ذلك اليوم الذي تلبسين فيه فستان العرس ’ سأزغرد ملء الفضاء ’ انه ينتظر ردك ’ هل أنقل إليه موافقتك؟
– اسمعي يا بنت الناس انا معنديش وين يقيلي الزاوش ..*
– صديقتي لم افهم..
– اذهبي و إياه إلى اللارجعة ..لا تكلميني بعد اليوم ’ أنا هنا للدراسة و ليس للمواعدة..
– لكن فهمتني خطأ’
-رأسها مرتفعا و شعرها قد انتفش للأعلى و قد اتسعت أحداقها و بدت العينان بارزتان إلى خارج البؤبؤ:
–انصرفي من وجهي ’ لا أريد رؤيتك بعد اليوم
- جرت أحزانها و هذا الجرح الغائر و عادت أدراجها ..و كنت قد وصلت إلى هذا الحد بالقصة لما ألحت في إرسالها عبر الايميل و رحت أفكر في العنوان الذي لن يكون إلا : قصة تحت الطلب.
* أضيق من أن يجد طائر الزاوش مكانا عندي للقيلولة
 
خارج التجنيس الأدبي
يتقدم منه ، يضرب أخماسا لأخماس ، ربما يخاله مسؤولا حكوميا:
- كهرباء ماكو، ميه ما كو، الأسعار نار ، زين شو نسوي يعني؟
فصل بينهما فوج من التلاميذ كانت إحدى المدارس قد تنفستهم لتوها ، فلم يعد يصنع حركة الشارع هاته الأيام غير هذا الشهيق و الزفير للمدارس ، تستنشق هاته الأكباد صباحا فتصنع جزرا في الشوارع ثم لا تلبث حتى تزفرهم زمرا كمد بشري نشط ، يكسر جو الوجوم الذي ساد ، يلتفت نحو الرشيد بعد ان أوصلته خطاه الى هذا الشكل الدائري المقارب للمسجد حيث كان التمثال يصنع المشهد:
- مترف بالتاريخ أنت يا رشيد ، و باذخ بالحضارات ، لم يغمض لك جفن ، حجارة بنيانك صفحات لصعود تارة و كبوات تارات أخرى ، ترى هل يتأتى لجادة أخرى غيرك أن تكون عينا على التاريخ ؟ أن تكون بكل هذا الوقار؟
تتطاول الشوارع المهجنة بينما تصر أنت على إبقاء بيوتك منخفضة بشموخ ، حتى تتيح للتاريخ أن يتوزع الهواء فوقها مداعبا أسطحها ، يعزف لحنا شجيا على تلك التشكيلات الرائعة لشبابيكها و دربزيناتها مكررا مطلع القصيد بتلك الشناشيل الموغلة في الإنتماءات .
هواؤك يختلط فيه صياح المتظاهرين مع همهمات المنددين و المحتجين ، الكل يأتي إليك ليحتكم عندك فتسمع صوته لمن اراد بصمتك الناطق و هدوئك العاصف.
حتى الذين جاءوا ليهتكو ا سترك بكاميراتهم جاعلين من آياتك خلفية لصورة تبحث عن السبق ، اراك تبتسم لهم و هم يعرون جسدك بأضوائهم لأنك تعلم أنك باق و أنهم مارون ، أسعدتهم اللحظة لكنهم زائلون ، و أنت تعرف و هم لا يعلمون.
تتعرج أو تمتد الشوارع دونك ، بينما تتكيء أنت على الكرخ و الرصافة ، لتعرج مبتسما لدجلة ، فتخجل من جلالك ، فتروح مستترة ببعض أشجار النخيل و نظرها لا يحيد عنك كما العاشقة تستتر وراء سجب
*        *      *
مربتة على كتف احمد ملوحة باليد الأخرى:
- زين ..سلام
وانصرفت بخفة و رشاقة ، بعدما أدت واجب الإطمئنان ، و تركتنا في صمت بائس للحظات، الحضور الأنثوي هبة ربانية لنا نحن الذكور لننتشي ببهاء حضورهن،تجد الواحد منا يعمد إلى تلطيف ألفاظه و هو يحادثهن ، لن يثنيك لا السن و لا الشهادات و لا المسؤوليات عن الإنسياق وراء المتنفس الذي يصنعه حضور الأنثى ، الأنثى الأم ، الأخت ، البنت ، الصديقة، الزوجة أمام الكل يضمحل الأنا الذكوري فيصير وديعا مسالما ، أن تتنمر أمام المرأة عليك أن تستبدل قلبك بمضخة آلية لا تهفو و لا ترتجف ، و لا يمكنها ادعاء وقار زائف.
*       *      *
كانت الرمال تتشكل ثم تعيد الكرة مبطئة جنازر الحركة ، لتمنح بغداد فرصة التأهب لما هو آت ، تابعنا يومها آخر مسؤول حكومي يواصل استنزاف اللحظة عبر البث الحي، إلتفت على وقع هدير - علجية- خلفه مباشرة تتمادى في التقدم ، قد يكون حسبها في الإلتفاتة الأولى ماجدة من الماجدات ، لكن خرطومها مغاير و حركتها أكثر
رشاقة ، هم العلوج إذن ، وصل المغول ، وصل التتار، و صل العلوج ، و انتهى دور المسحراتي.