محسن يونس


صفحة الكاتب الكبير
محسن يونس
  
مكحل أمى
مكحل، وإذ أرى.. لا.. لا.. أنا وقعت عيناي عليه.. الكحل كانت تخزنه فيه فى زمان راح وانقضى، أخذته بين يدى، والبال شارد أنا، ولكنى كنت منشرح الصدر، وسحبت غطاءه، لا أعرف كيف.. إنما أنا سحبت غطاءه، وانتبهت على نفسي.. حتى بدني كله ارتج، وأنا أسعل، ورأيت غرفتى.. الدخان عبق فراغها، واشتد على الحال، ووقفت.. فلما… لاحظت أن ساقي تهتزان، وكلما حاولت أن أرجعهما إلى الطبيعي، لم أقدر، وأفشل.. تضاءلت كإنسان فى أرض رعب.. عيناي حتى تاهتا فى الذي هو موجود، وارتاعت، وهى تبص على ما يخرج من المكحل القديم، الذي كان لأمي، فالدخان صار ذلك الشىء الضخم، حتى أنى ضحكت، وهل من الرعب أضحك؟! لأن العفريت مشى خطوة، وأمامي انحنى، وهو يقول : شبيك.. لبيك.. عبدك بين يديك.. اطلب ما تشاء .
كان الصوت الذي قال به هذا الشبيك لبيك لا أستطيع وصفه إذ أنه قديم وحديث ، وهذا الوصف من عندي أنا ، لم أقرأه ، وأعرف أن الصوت لا يوصف إلا بالعلو ، وعكسه الانخفاض ، أو الحدة ، والغلظة عكسها .. الشدة أو الضعف ، وقلت فى نفسي هل أحلم ؟! وقلت فى نفسي طوال عمري أحلم .. العفريت انتظر أن أقول أي شىء ، فلما لم أنطق ، عاد يقول لى بصوت يمكن أن أصفه الآن أن به من الحدة شبهة : هل تطلب شيئا ؟ .. اطلب .. أجبته بصوت فيه التواء : لا .. أطلب ..
كنت أريد أن أواصل الكلام ، فأسأل ، ورب القدرة كنت أرغب فى الأسئلة ، إلا أن العفريت قال : إذن لابد من الانتهاء .. ثم خطفنى الخطفة السريعة ، وكنت بين يديه رهينة ، عندها قال : تعال يا ابن الأحلام .. تعال .. وأدخلني المكحل .. مكحل أمي القديم ، وعلى أغلق ، فوقعت فى ظلمة داهية ، وأنا أسمع ضحكات ذلك المخلوق الذي اسمه عفريت ، وأتخبط .. أتخبط .
 
الهــدف
لما رجعت بلدي كنت .. كنت كالغريب الذى لا ينطق ، ولكنه دائم النظر إلى الأشياء والناس .. غضبت ، وحزنت ، وقلت الناس غير الناس صاروا ، كل ابن فرعون يعمل من نفسه فرعونا على ابن فرعون ، و سكين حاضر يختفي ، ويظهر ، مع انفجار متحفز ، وفلوس ، وعيون نبتت فى الرأس ، تغمض واحدة ، وتنفتح واحدة فى الصحو والنوم ، واللوم وقع على ذاتي أنا ، فقلت من الممكن أن أكون أنا الغريب !! فالناس هم بالاسم أعرفهم ، وجغرافية بلدي هى جغرافية بلدي .. صحت : التاريخ هو الذى يسيطر لا الجغرافيا .. وهذا لم يعطني راحة ، ونفسي لم تهدأ ، لأني أعيش هذا الوقت .. الآن .. اندفعت إلى قبلي بلدي .. هناك الفضاء ، الذى لم يخضع لأى إنسان ، والأرض البراح ، وهناك ملح ، ونباتات شوك ، وبعوض يزن حول الأذن دائما ، ثم يحط لتنفذ إبرته فى الجلد ، تمتص الدم .. سرحت فى السماء ، ونظري مال حتى رأيت الأفق يلتقي هناك مع ماء البحيرة ، نكست رأسي ، وأخرجت يدي من جيبي .. هناك بعيدا على بعد أربعة أمتار حجر ، وانحنيت ، فتشت عن قطع من الحصى الصغيرة ، واستقمت إذ جمعت منها ملء الكف ، رحت أصيب الهدف الحجر بيدي، قذفت أول حصاة ، وأنا أحكم ، تدحرجت الحصاة إلى بعيد عن الهدف الحجر ، عاودت أحاول .. مائة مرة ومرة، فى كل مرة لم أفلح أبدا فى أن أصيب الهدف الحجر ، فلما لم أصب الهدف الحجر مللت ، وقلت لنفسي لابد من الرجوع إلى البيت ، واستدرت إلى بلدي ، أعطيت ظهري للحجر الهدف ، مشيت أربع خطوات .. فى أول مرة لم أهتم .. فى المرة الثانية شعرت بالتمام أنني مقصود ، فالتفت بحدة للوراء ، طالعني الفضاء ، والأفق والماء ، والصمت ، والحجر هناك فى مكانه ، عدت أتوجه لوجهتي .. وجدت أن ظهري صار الهدف لكل الحصوات التى كنت حاولت بها إصابة الحجر الهدف .. واحدة وأنتفض ، وراء واحدة ، وأنتفض ، جريت نحو بلدي ، ولم أعد ألتفت أبدا .. أقول الصدق أنني قلت : يا أولاد التى تشب ، وتلب … فقط .
 
موت الجياد
هذا يوم السوق ، والحمار مستعد ، وملجم ، ونشيط ، والرجل هائج منذ الفلق . المرأة تستجير بالمغيث ، تجرى وتتعثر ، تلتفت ، وتستقيم .. قالت : طيب .. طيب .. والرجل كأنه ثور لحقته سكين حشت زوره ، تندفع أصوات منه ، شعر المرأة منها يشيب ، وحتى تسكته أخذته فى حضنها ، وأعانته ، ليلبس جلبابه النظيف ، كبست بعد ذلك طاقيته فى رأسه ، ثم المرأة هفت الهواء ، وشفتيها زمت .. الرجل زام ، فهبت ، ونادت شابيها الاثنين يجيئا إليها .. واحد قال : مفلوج .. وأمه حطت على فمه راحة يدها ، وعيونها التى زغرت له بها فى الحال انكسرت ، أشارت إلى رجلها ، حمل الشابان أباهما ، وخرجا به ، وعلى الحمار أركباه ، تدلت يد منه ، لا حياة فيها ، وساق من ساقيه مثلها ، وجانب من وجهه ميت ، شاب من الاثنين قال : فضيحة السوق ! شقت الهواء عصا الرجل ، وصفرت ، والشاب لم يستطع أن يفلت ، صرخ ، سال نقطة على الصدغ ، ثم نقطتان ، ثم صار خط من الدم ، الأم المرأة جذبت شابها ، وأعطت لرجلها اللجام ، أمسكه بيده الحية ، ولكز الحمار برجله الحية ، وانطلق ، رفعت المرأة خلفه وجهها ، قالت : يارب الستر .. الستر مطلوبى .. شاب من شابيها قال : أضحك وأقول يا خرابي ؟! المرأة تنهدت ، قالت : الطبع من زمان .. وربتت على كتفي الشابين ، وأمرت أن يلحقا به .. المراقبة من بعيد .. بعيد .. حس لا حس .. قالت : طبعه .. اتركوه .. لو صرخت واحدة ، لو أمسكه واحد .. ساعدوه ..
في الخنقة التى تنفتح على السوق شد اللجام ، وتوقف الحمار ، جاس الرجل بعينيه فى الزحام والناس ، وقفز القلب ، فالنسوة النسوة يزحمن السوق .. وبعضهن ينحنين على الأشياء ينتقين ، أرخى الرجل اللجام، فصار الحمار بينهن ، القدم الحية تلامس مؤخرة ، عجيزة ، جانب ردف ، تلامس .. هذا لحم حى وطرى، تلامس مسا .. هذا لحم عفي و جامد ، والحمار سائر .. هذا لحم رجل مثله .. ما رغبه ، واللمسة جاءت هباء ، فهو قصد واحدة انفلتت ، وجاء الرجل مكانها فى ذات اللحظة ، الرجل أخذه الغيظ فاغتاظ ، وتنبه آخر ، وكلمه : أبا الشباب فى السوق اليوم .. تلفت بعض الرجال ورأوه .. ربما أطلق واحد منهم ضحكة .. ربما واحد منهم يلقى عليه تحية .. ربما أعطاه واحد قبضة من الفول السوداني المقشور .. ربما ينادى عليه بائع أن يشترى ، والسوق كان السوق .. والناحية الحية من الرجل حية ، تمر فيها حمرة تفيض ، تخرج منها الحمرة تغيض ، ولما يحس باللحم الحمرة ترجع همسة كالهمسة ، والقدم تشتغل ، استدارت امرأة ، والفعل يفعل ، ابتسمت ، وهزت أكتافها ، وضربت كفل الحمار ، وعادت إلى ما كانت هى فيه .. الرجل فوق الحمار يوجه ، وينخس .. ينخس .. يوجهه .. فى نهاية السوق الحمار جفل ، والرجل وقعت العصا منه على الأرض ، أمسكت امرأة عجوز باللجام ، صاحت فى الملأ .. الناس .. الحين صرت تجيىء على حمار ؟ زمان كنت تدخل السوق بقدمين ، ويدين .. مسحت العجوز على أردافها ، وضحكت ، لم تظهر أية سنة فى فمها ، وهو حرك اللجام ، وبأبأ كأنه يشتم ، لكز الحمار بعنف ولا رحمة ، فأسرع من خنقة السوق يخرج ، وخلفه جرى شاباه ، والعين الحية فى الرجل أوشكت أن تكون فيها دمعة .
 
حكيم فوق شجرة
قالت الضفدعة لنفسها : سأصنع لنفسي مركبا ، أجوب به أنحاء البركة .
كانت الضفدعة – وهذا مفهوم من قولها – تعيش بالقرب من إحدى البرك ، ولقد سمعها الهدهد ، الذى كان يلتقط بعض الديدان ، فتوقف عما يفعل مندهشا ، وصاح يقول : إذا كان لى جناحان ، فلماذا أركب طائرة ؟!
كانت ملاحظة ذكية ، ومن يملك فهما ، فسوف تصل إليه حكمتها مباشرة ، ولقد سمعت الضفدعة الهدد جيدا، وعرفت أنه يقصدها بقوله ، إذ أنها تملك رجلين خلفيتين طويلتين بهما أغشية جلدية ، وهما رجلان تشبهان المجداف ، وتستطيع السباحة بهما ، دون مشقة فى مياه البركة ، فتذهب إلى حيث تشاء .
صاحت الضفدعة : انتبه لنفسك ، ودع الآخرين ، ولا تتدخل فى شئونهم .
لاحظ الهدهد أن الجندب قد سكت عن الصفير المزعج ، واقترب من الضفدعة قائلا : أما أنا فسوف أصنع نفيرا ، أنفخ فيه بعض الألحان .
لم يتحمل الهدهد هذه الكلمات ، وكان لابد أن يقول : إذا كنت أستطيع الصفير ، فلماذا أرهق أنفاسى بالنفخ فى نفير ؟!
لم يعلق الجندب ، فقد عرف أن الهدهد يقصده ، فهو له أجنحة دائمة الحركة ، ويصدر عن هذه الحركة صفير معروف عن الجندب .
طار الهدهد وارتفع ، ثم هبط على أحد الأفرع لشجرة مزروعة على حافة البركة، كان يشاهد من مكانه الجديد كيف اقترب الجندب من الضفدعة ، والضفدعة قد اقتربت من الجندب ، وأخذا يتهامسان طويلا ، مما أصابه بالضيق والضجر ، فصاح: ما دام لى أذنان ، وأستطيع الكلام ، وأملك الحقيقة ، فلماذا أهمس ؟!
كانت الحرب قد بدأت عقب هذا القول ، وتلقى الهدهد قذيفة من طين البركة ، وحصوة من الجندب ، حتى أنه فقد توازنه ، وهوى من فوق فرع الشجرة ، الذى كان يقف عليه ، وكاد رأسه يصطدم بالأرض ، لولا أنه استطاع أن يقوم بمناورة بارعة بجناحيه ، واعتدل مستقبلا الأرض بقدميه ، وخاطب كلا من الضفدعة والجندب بكل طيبة قائلا : لماذا ؟! ماذا فعلت لكما لتفعلا هذا معى ؟!
قالت الضفدعة : لقد أوقعتنى فى الحرج .
صاح الهدهد : أنا ؟!
وقال الجندب : نعم .. أنت أيها الهدهد أوقعتنى فى الحرج أيضا.
صاح الهدهد مندهشا : أنا ؟! كيف كان هذا ؟!
قالت الضفدعة : أنا كنت أحدث نفسى ، وأنت لم تترك لى الفرصة لأتأمل إن كنت على خطأ أو صواب .
وقال الجندب : لم تترك لى الفرصة لأعرف هل هو قول جاد ، أم أنه حلم من أحلام اليقظة يذهب كما جاء .
ضحك الهدهد كثيرا ، حتى أن عدوى الضحك انتقلت إلى كل من الضفدعة والجندب ، وبعد أن انتهى الضحك ، قال الهدهد : صديقاى .. لقد تعلمت منكما درسا اليوم ، وأنا الذى كنت أظن أننى حكيم .. لقد تسرعت .. أرجو عفوكما .
وعاد الهدهد إلى فرع الشجرة ، وهو أكثر حكمة عما قبل .
 
حلم أم علم
"الحكاية الأولى :حلم "
الحاجة رمزية فى الطريق، تدب بعصاها، تنظر إلى نهاية الطريق، والبيوت نازل عليها سكون، وليس هناك نافذة واحدة من بيوت البلدة مسروجة. الكل نيام ، وزوج ابنتها حلف عليها أن تبيت عنده لحين يصبح الصباح ، ولكنها قالت "تلت ليالى  ، وأنا هنا ، لابد ارجع البيت" حسنية ابنتها ظلت تلد ، ولم يأت الطلق الأخير إلا بشق النفس ، وعندما حملت العيل المولود ، وتفرست فيه ، صرخت : " يشبه خاله شبان ، يشبهه تمام" لفت ابنتها باللحاف ، وأعدت طعام العشاء للزوج والعيال ، ثم خرجت
العيل المولود يشبه خاله شبان ، الذى راح الجهادية ، ضحكت ، قورته بارزة للأمام ، والأنف طويل ، وضخم مثل خاله شبان .. اسم العيل .. أسموه شبان .. شبان الكبير ، وشبان الصغير .. ضحكت .. يا سلام .. يا سلام .. قالت لزوج ابنتها : "الدنيا ليل عندك إنته انى ما خفش" .. وشبان كان ينزل إلى البلدة فى إجازة 24 أو 48 "هكذا كان يحدثها )وتضرب هى كف بكف ، فهى تعرف أن اسماعيل بن نينة تميمة ينزل بالأربعة أيام ، ويسافر إلى مصلحته فى اليوم الخامس ، قالت :" شبان ، إنت بتلعب ، بتلعب .. ديلك بقى تخين " ويضحك شبان ، ويقول لها أنه ينزل إلى مصر ، يقضى فيها يومين يتفرج على خلق الله ، وتسمع هى منه عن رجال مصر ، ونساء مصر ، فتندهش ، ولا تصدق ، ويعدها شبان أن يأخذها مرة إلى مصر ، يفرجها على كل شئ ، وهى تجحظ عيونها ، وتضربه فى صدره ، وتقول :"أنى عجوزة .. خلاص"ويضحك شبان ، ويرفع قدميه إلى أعلى ، ويضحك ، ويحلف أن فيها قوة توزن قوة العريف حسنين ، والشاويش خليل ، والملازم أيضا ، ويقول لها أنها لو كانت معه فى الكتيبة لأوقفتهم على رجل .. فجأة توقفت الحاجة رمزية .. سمعت صراخ عيل صغير .. عيل صغير وفى الليل ؟ وفى الطريق المنعدمة فيه الرجل؟
أخذت تتلفت .. لا شئ . صراخ . صراخ عيل صغير يصرخ .. وقلبها رق .. وصراخ العيل يرق لها قلبها .. بحثت عنه .. لم تجد شيئا .. تراجعت إلى الوراء .. ثم وقفت عصاها تحت إبطها ، وأخذت تتصنت .. اندهشت .. الصراخ كأنه يأتى من تحت الأرض .. شبان الصغير يصرخ ؟ أه منك يا كبر السن ، مازالت تتراءى لها أشياء ، وعندما مشت إلى الأمام تعثرت فى عيل صغير، يرفع رجليه إلى أعلى ، ويموء ويرفس ، خبطت صدرها ، وقالت :"يا كبد أمك" مالت عليه ، واحتضنته ، كان نور يشع من وجهه .. صرحت ، وكادت تتركه من بين ذراعيها .. من أتى بشبان الصغير هنا؟قالت فى نفسها :"الله !يشبه ابن بنتى المولود ، ويشبه شبان ابنى اللى فى الجهادية"!! ليس معقولا ، ليس معقولا .. وشبان ولدها كان فى إجازة منذ أسبوع ، وعاد إلى الجهادية ، وليس صغيرا كمولود ، شعرت بثقل العيل .. ليس ككل العيال الذين فى سنه .. ثقيل .. ثقيل .. وزوج ابنتها قال لها :" خدى كبريت معاك ، يمكن تعوزيه " قالت :"بلاش ، معايا العكاز الخشب،" وقال لها شبان:" شوفى يا مه ، انا بأقف طول الليل على شط الكنال ، رايح ، جاى ، برنجى ، وكنجى ، وشنجى ، عشان العدو" قالت الحاجة رمزية: "تفضل واقف طول الليل رايح جاى ؟!" والحاجة رمزية زاد عليها ثقل العيل ، وشعرت بسخونة شديدة فى صدرها ، وذراعيها ، ونزلت السخونة إلى حقويها ، ولكنها نظرت إلى العيل الذى تحمله ، وقالت :"مين إللى سايباك  كده؟ يا قلب امك الحجر!" توقفت الحاجة رمزية ، وصرخت ، إذ أنها رأت قدمى العيل الصغير تتطاولان ، حتى تصلا إلى الأرض ، ثم يهرب منها ويقف .. جسمه صغير ، وقدماه طويلتان .. وأخذ يضحك ، ويقذف قدمية فى وجه الحاجة رمزية "إنته مين ؟ إبعد واكفى الشر" ولكنه أخذ يتشقلب أمامها ، ويقرب وجهه من وجهها فتحس بالسخونة تلفح وجهها ، ولكنه يشبه وجه شبان الكبير والصغير ، قالت :"إبعد ، هاتعمل بهلوان؟!" يضحك .. ويزحف بقدميه الطويلتان ، ويسد الطريق ، قالت :"عفريت؟!"  رفعت عصاها فى وجهه ، ولكنه ضحك ، وخرجت منه رياح خبيثة فى صوت مرتفع ، وهجم عليها ، فتراجعت ، وهى ترفع العصا ، وتضرب فى كل اتجاه ، ولكنه رفسها ، فوقعت على الأرض ، وقامت ، فركلها فى كل اتجاه من جسمها فمسحت الأرض الخشنة بوجهها ، وقامت تتطوح ، ولكنه كلمها بحقد ، وقال :"يا أم شبان خدى ، عشان شبان خدى"
(الحكاية الثانية :علم)
قبل أن تقع الحاجة رمزية من طولها ، وتصرخ ، وتفلفص قدميها .. وتقول مريضة .. كانت عفية ، وهى كانت صحيح تعرج بعض الشئ ، حتى أن عيشة امرأة ولدها الكبير قالت بخبث :"العفريت ماسكها من ركبها "ولكن الحاجة كانت تمشى ، وتخمش وجوه بعض النسوة فى البلدة ، وتشاجر الرجال ، والصحة تاج على رأس العباد ، ونساء البلدة يقلن عنها :"تتدلع بشوية عافية " ولكنها تشمر عن أكمامها ، وتهجم على شغل البيت ، تزعق فى وجه ابنتها :"يا لله يا بت ، حطى قبل ما تتعبى ، وشيلى قبل ما تستريحى" ونساء أبنائها يخافونها ، فإذا مرضت إحداهن ، وتأوهت ، نفخت الحاجة رمزية من جوفها كالحصان ، وزغدت المرأة فى جنبها ، وقالت :"قومى فزى ..ماتقوليش أه" ويوم وقعت الحاجة رمزية ، لم تستطع اغلاق فمها ، وقالت أه والف أه .. ولما لاحظت فرحة بعض النسوة ، تحاملت على نفسها ، وتيبست شفتاها عن الآه .. ولكنها حزنت فى قلبها حزنا شديدا ، لما رأت الفرح يطل من عيون نساء أبنائها ، وسمعت عيشة تهمس :"تموت بقى ، تستريح" وقامت الحاجة رمزية من رقدتها ولفت فى منادر البيت ، وفحصت الصحارات ، وضربت العيال الذين يقرفصون فى الحوش الخارجى للبيت ، ويرفعون ذيول قفاطينهم ، وأمرتهم أن يذهبوا إلى بعيد ، وشتمت أمهاتهم ، ولكنها داخت ، ووقعت على الأرض ، وجرت النساء إليها ، فزحفت هى إلى باب المندرة ، وأمسكت بضلفة الباب ، ورفعت نفسها ، واستلقت على الفراش ، وشخطت :"موش عيانة " والحاجة رمزية تهز رأسها ، وتتأمل ، على نفس الفراش تزوجت ، وعليه أنجبت العيال ، والبنات ، والزمن غادر حط بها ، حط بها فى قساوة ، ولكنها تمسك باطراف الزمن تعيش اليوم ، وعينها على الغد ، تقول :"لازم الواحد يسبق شوفه .. يفكر " والمندرة نفس المندرة دخلتها أول مرة زمان .. زمان ، وشالت جالوص الطين فوق رأسها ، تبنى مع رجلها المنادر الأخرى كل ولد بمندرة جديدة ، وامرأة طبعا طبع ثان ، أحبت أن تأخذ لأولادها زوجات من عائلة الحجابية ، وعائلة السوايدة ، وعائلة العللشا، تقول :"أوسع على نفسى ، وأحبابى كتير " ولكنها تعود ، وتلعن خاش هذه الزوجات ، وعائلاتهن ، لان هاته النسوة لم يثمر فيهن الخير..وعندما جاء بكر ولدها الكبير زوج عيشة ، وفتح باب المندرة عليها ، وجدها تتربع فى وسط السريرة تلف الملفع حول رأسها ، وذقنها لفات .. لفات ، حتى بان وجهها صغيرا مختفيا ، لولا لمعة العينين رغم الكبر .. قال :"مالك يامه؟ سلامتك" هجمت الحاجة رمزية عليه ، وقالت : عيشة مراتك مفيهاش خير .. عقربة .. وأمسكت الحاجة رمزية بكيس البرتقال ، الذى أحضره بكر ، ورمت به فى حجره ، وقالت أنها لا تريده ، والأحسن أن يعطيه لعيشة ابنة السوايدة ، أصحاب العيون الصفرا ، الفارغة .. وقالت :"موش عيانة ، موش عايزة حد يزورنى " ولكن زوجات الأبناء أتين إليها كلهن ، وجلسن على الأرض حول السرير الحديد ، وكانت الحاجة رمزية تركن ذقنها على راحة يدها ، وتلمس بيدها الأخرى اللحاف ، وتقبضها ، وتفردها ، وترسم خطوطا ، وتهمهم ، وتزوم  وتسهم ، وتبتسم ، وتكشر ، قالت عيشة السويدية :"سلامتك يا نينة " وقالت فاطمة الحجابية :"شدة وتزول" وقالت سيدة العلوشة ، وجرت وراءهم بالمقشة الجريد :"يا أولاد الكلب سيبونى ، هاتعملوا محزنة !" ثم وقفت فى حوش البيت وسط المنادر ، وهى تزعق :"والنبى ما هاموت ..".
فى الصباح الباكر اغتسلت الحاجة رمزية ، وصلت الفجر ، ثم افطرت ، ونادت على نينة تميمة جارتها ، التى أتت بقفص جريد تلتف حوله الخيوط ، وقالت للحاجة رمزية :"ننسج شبكة جديدة " قالت الحاجة رمزية :"أبنى بكر جايب شوية خيط لما أقعد انسجهم معاك " ولما جلست أمام قفصها الجريد ، قالت تغيظ نينة تميمة :"ها نسج واخلص قبلك " ونينة تميمة تزغر لها ، وتقول :"أما نشوف .. العجوزة تخلص قبل واللا العروسة " ، رجعت الحاجة رمزية للوراء ، ووضعت كفها على قورتها ، وقالت :"مين إللى عروسة يا ختى ، إنتى عروسة ؟ أنى مولودة قبلك بتلت جمع ، وهاغلبك ، هاخلص قبلك " ونينة تميمة ضحكت ، وأعملت يدها تنسج ، وظلت الحاجة رمزية تسابقها ، وقالت تربت على كتف نينة تميمة :" قوى نارك تغلبى جارك" وضحكت الحاجة رمزية ، ونفخت ، وسرحت ، تهز رأسها ، ويتململ جسدها ، ويقع الملفع من حول رأسها ، فتعيد لفاته مرة ثانية ، تمد ساقها المتخدرة ، ثم تثنيها ، وتتكلم مع نينة تميمة من قريب وبعيد ، ولكن يديها كانتا تشتغلان بسرة .