الأربعاء، 24 أبريل، 2013

صديقى وحديث النمل


صديقي وحديث النمل

يوما ما حدثني صديقي عن النمل..
قال: إن النمل هو أعجب ما خلق الله وأجمل ما خلق الله..
قلت له: كيف تقول ذلك وقد خلق الله الأنثى...
قال: أتعرف أن النمل من أقدم الكائنات على الأرض وأنه قد عاصر الديناصورات، ولم يندثر مثل غيره من الكائنات التى لم تتحمل ثقل الزمن... انظر إليه فى حركته وتعاونه.. سوف أحكى لك قصة....  كانت لى صديقة منذ زمن طويل وكنت أنا وهى فى علاقة حميمة، وقد غابت كثيرا، لكنها فجأة حدثتنى، وقد ذكرتنى مكالمتها بأيامنا الماضية، فأردت أن أعود بها إليها.. فطلبت منها قبلة كمقدمة للقاء، فرفضت... أتصدق...
أن النملة الواحدة تستطيع أن تحمل أضعاف وزنها وتسير بهذا الثقل مسافة قد لا يتخيلها عقلك... أحكى لك... يقال إن صديقتى هذه فى زمن الفراق الأول.. تعرفت على صديق لها –صار زوجا فيما بعد–   عاشت معه  –كما تدعى هى– أجمل أيام حياتها... أتذكر.. أنى كنت دائما ما أسمعها –قبل أن نفترق– تردد على مسامعى هذه الكلمات... "الآن أعيش أجمل لحظات حياتى".... أتصدق..
أن النمل يستطيع أن يقاتل أنواعا من الحشرات أضخم منه عشرات المرات ويهزمها دفاعا عن عشه... سأحكى لك... فى زمن فراقنا الأول، فى أيام فراقنا الأولى.. لمحتها مرة فى مكان كنا نرتاده أنا وهى.. كانت فى نفس الموضع تقريبا لكن كان معها هو -صار زوجا فيما بعد-.. لا أظن –على الأقل فى داخلى– أنهم كانوا يفعلون ما كنت أفعله أنا وهى فى نفس المكان.. لم أحاول أن أقترب، لم أحاول أن أظهر أمامهما.. فقط جلست مكانى صامتا حتى انتهى وحتى انتهت وانصرفا.. عندها ذهبت إلى هناك أفتش فى بقايا المكان عن رائحتها... هل تعرف..
أن النمل يتحدث بلغة هى أقرب إلى الرائحة.. فالنمل يترك رائحته فى المكان رسالة إلى القادم من بعده.. حتى الملكة تتزاوج بالرائحة، فهى تنشر رائحتها حتى يستدل عليها الذكر فيقوم بعمله.....
هل شممت يوما رائحة النمل؟..
هل تَفهّمْت أو حاولت أن تفهم رسائله؟..
سأحكى... يومها جلست، لم تكن فى داخلى مشاعر أو أحاسيس.. فقط فراغ.. تسربت إليه الرائحة.. أسرتنى  فى مكانى فظللت أسيرها ما بقى من عمرى... هل تعرف.. أن النمل يأسر بعضه بعضا وأن بعض الكائنات تعيش فى مستعمرات النمل أسيرة لكنها لا تقتله ولا يقتلها.. فقط يستنذفها أو قد تستنذفه..... ألم تسمع أنى يوم زفافها –عليه– ذهبت إلى بيتها.. وقفت على العتبات أستمع إلى الأصوات المنبعثة من داخلها وللحاضرين..  تبعتها حتى منزل الزوجية، لم أدخله.. فقط وقفت أسفل البيت.. انصرف الجميع وبقيت أنا.. لعلى كنت أقتفى أثر الرائحة، كنت أتابع رحلة البحث عن المصدر لعلى أهتدى...
تسألنى هل صحيح تموت النملة حين تقرص؟...
نعم... فالنملة لا تقرص إلا حين تحس أنها قد حوصرت تماما.. انكشفت أمام من تتصور أنهم أعداؤها ولم يعد لها أملا فى النجاة.. عندها تضع آخر نقطة سم عبر شفاهها فى جسد الضحية لعلها تنجو، لكن قرصتها تعنى موتها..
 يومها.. أطفأتْ أنوارها وأنوارى.. ظللت واقفا -أرقب النافذة- إلى أن أذن المؤذن.. عندها سألت نفسى.. "هل أذهب لألبى النداء أم أتبع شارة القبيلة.. أنتظر الرائحة؟"... أصدقك القول.. كان هذا يدور فى عقلى لكنه ما كان يستطيع أن يحرك قدمى قيد أنملة –كأن سمها قد شلنى– فأنا كنت أنتظر شيئا آخر غير كل ما قلته....
نسيت أن أقول لك.. إن النمل مجتمع من الإناث.. ملكة.. شغالات.. جنود... لا يدخله الذكر إلا ليقتل.

الأحد، 21 أبريل، 2013

لا أنسى


لا أنسى

رجعت يوما إلى حجرة نومى مبكرا، فوجدت حلما كان قد نسيه –هو – على مخدتى، كان مغلفا فلم استطع قراءته، لكننى شممت  فيه رائحة الورد فعرفت أنها كانت بداخله عارية ..
يومها تركت السرير، لم ألمسه..
ومن يومها لم أضع رأسى على وسادة.

الجمعة، 12 أبريل، 2013

عجوز


عجوز

كانت تكنس أمام بيتها كل يوم، عندما تكنس أنغام صوت المؤذن الحزينة بقايا الليل.. ترش الأرض بالماء، وتجلس على عتبة بابها تنتظر، ذلك الذى خرج ذات صباح حزين من بيتها وعاد مع نهاية المساء جثة فى نعش.. تعرف أن روحه الهائمة والتى لم تكن تطيق فراقها سوف تحن من جديد إلى الرجوع.. 

مع الآذان.. كانت تكنس وتنتظر.

الثلاثاء، 9 أبريل، 2013

الحانوتى والحساب


الحانوتي والحساب

فاكرين لما زمان قلت لكم إن النقاش* دا أهم واحد في الدنيا، في الحقيقة أنا فعلا كنت فاكر كدا، لكن إللي بان لي بعد العمر الطويل دا، إن النقاش مش أهم واحد في الدنيا، هتسألوا طبعا أُمّال مين؟..  هأقول لكم وهتستغربوا.. الحانوتي.. الحانوتي هو أهم واحد في الدنيا ده.. ليه؟.. لأنه هو الوحيد إللي فعلا بيقدر ينقل البني آدم من دنيته الفانية لجنته أو ناره.. حياة دايمة.. علشان كدا ربنا ساب البني آدم يتعلم كل حاجة بنفسه إلا الدفن، لما بعت لي "الغراب"  صديقي العزيز يعلمني الحفر والردم ويمكن يكون رش ميّه -علشان يخضر دنيتي- بس أنا ساعتها ماخدتش في بالي..
دلوقتي نبتدي حكايتنا.. 
من زمان.. زمان قوي.. عايش حانوتي.. محله صغير يميزه عن باقي محلات الشارع بيبانه السودا ويافطة كاتب عليها "نوصلكم… نريحكم… نحاسبكم".. الناس كانت دايما لما تعدي من قدام  دكانه..  طبعا بتتشائم دا العادي، لكن كمان كانت بتستغرب قوي من حكاية "نريحكم، ونحاسبكم" لأنهم كانوا فاهمين المقصود ب "نوصلكم" أو همَّ فاهمين كدا.
في يوم وهو قاعد ساعة مغربية  على باب دكانه جاله راجل عجوز
- سلام عليكم
- عليكم السلام
- عايز أدفن
- مين مات؟
- أمي
- أمتى؟
- من زمان.. بس النهاردا جت لي في المنام، وطلبت إنها تندفن.
ماحتارش ولا استغرب.. هو عارف من كتر ما شال وحط إن مش كل الناس إللي بتموت بتندفن يوم موتها، زى ما كثير من الناس إللي فاكرين نفسهم عايشين همَّ في الحقيقة ميتين ومدفونين كمان.
- وماله.. إحنا مالناش إلا راحتك وراحة الميت… احك لي قصتك
- أبدأ منين؟.
- ابعد عن يوم ميلادك واحك من أى حتة.. المهم أبدأ.
- ما أقدرش أقول إن هى ده لحظة بداية الحكاية، لكن أول كلمة أفتكرها لأمي.. لما كان يطول بىّ السهر.. دايما كانت تضحك في وشي وتقوللي..
: يا ابني روح نام علشان النهار يطلع، طول ما أنت سهران مش هيجي نهار، مش هيتفتح باب للرزق، هيموت حلمك مخنوق م الضلمة.
ماكنتش فاهم، وكنت دايما أسألها.. فتحكي حكاية من حكايات واحدة اسمها شهرزاد بالنسبة لها كان النهار نجاة لإنه مكان نوم شهريار..
مرة رمت علىّ سؤال.. يومها كانت لسه راجعة من دفنة أبويا.. ماليها الحزن ومغطيها تراب القبر وملونها السواد..
: تفتكر ليه الدنيا من بين كل الأشكال إللي اطرحت قدامها - من أول ما بدأ الكون – اختارت نص أبيض ونص أسود؟.. وليه اختارت اللغة لنفسها تنقسم نصين … إما الفرح وإما حزن؟!.
مش فاهمك يا أمّى…
- أنت فاهم؟
الحانوتي يهز الراس…
-  احك قصتك..
أيامها.. كنت بحب الليل أكثر من النهار، يمكن لأن صوت الباجور فيه  بقى أوضح من أى صوت، هتسألني وإيه جاب الباجور؟… لازم هى.. أنا صحيت في يوم لقيته فوق رأسي.. "بيرغي".. حكاياته إللي بدأها معاها.. الدوشة إللي كانت دايما تنقطع لما ميّتها تفور، فيطفى…
كنت باحبه، رغم إن الطبيعة بتقوللي إنها بتاعتي أنا بس، وإنها مش ممكن تقبل القسمة على اثنين….
ويمكن لأن سما الليل الصافية  كانت بتسمح للنجوم توصل لشباكي وتقف قصادي تشاور وتناغش وتلاعب لحد ما في يوم اتعلقت بواحدة منهم  (قوي).. ساعتها قالت لي..
: يا ابني إللي بيتعلق بالنجوم يبقى بيحلم، بيبقى متعلق في حبال دايبة.. إن ماكنتش خايف على قلبك خاف على راسك.
واختفت النجوم، وفضيت السما… وخسرت قلبي..
- وبعدين.
كبرتُ، وكبرتْ… بعدتُ، فبعدتْ… مشي الباجور وسابها لوحدها… زرتها مرة..  أفتكر مرتين..   يمكن ثلاثة.. في كل مرة كانت بتبقى قريبة قوي وكنت بأبقى  بعيد جدا… عايز تسأل عن الباجور… سمعت مرة إنه هب فيها، ومرة مالقتش ثمن الجاز علشان تولعه، ومرة لمحته ولمحت جاره بتطبطب عليه.. ومرة، ومرة… سمعت، لكن لحظة الفراق ماعشتهاش ولا حتى لون، لكن كانت مرسومة على وشها خطوط..
طلبتني في مرضها الأخير.. أقول لك الحق ماكنتش فاضى.. أنت عارف مشاغل الدنيا والبيوت.. لكن لما ألحت رحت.. كانت اتغيرت خالص.. شفت ضحكتها ميتة جنبها على السرير، وشها مكرمش كأن الأيام كانت بتعجن فيها، بياض عينيها كان على وشك إنه يقهر السواد فيسود الظلام… حاولت تشد الوش، تلمع الصوت، تدخل نور عينيها في عيني.. حضنتني  ومسحت دمعة، يمكن دمعتين.
"ليه اللغة حصرت نفسها في الفرح أو الحزن، وليه القسمة بين الأبيض والأسود؟"
كنت بحبها قوي بس لازم أمشي… كنت مشتاق – قوي – لأيام زمان، لكن زمني كان بيطاردني… كان نفسي – قوي – أبكي في حضنها وأسمع ضحكتها، لكن دموعي ضاعت مني وضحكتها ماحضرْتش حتى دفنتها… قلت لها هاجي تاني.. وخرجت ونسيت..
"ليه القسمة بين…. وليه اللغة….؟"
أقول لك الحق.. مرة سألت نفسي إحنا ليه كدا.. هو الفراق قدر ولا إحنا إللي بنختاره، لكن لما خبط السؤال بابي، كان الصبح عايز يطلع والليل زهق مني فشدني للنوم.. للحلم.. وفي الحلم جت و سألتني…  وحكت حكاية لشهرزاد…
أنا حزين لأني ماقدرتش أجمع حكاياتها في كتابي، تعتقد هيجي إللي يقدر يجمع الحكايات؟
-
- كنت متجوز.. مراتي ماتت من زمن أطول من زمن موت أمي..
-
- أنا عمري ما دفنت حد، حتى قصة الحب إللي عشتها وضاع بسببها قلبي، لسه شايلها جواه مادفنتهاش.. يمكن في يوم تاني أقدر أعدي عليك علشان ندفنها هى كمان.
-
- أيوه.. عندي ابن وحيد.. متجوز وعنده بنت فيها شبه كبير من أمي.. مدة طويلة مشفتهاش.. من ساعة ما كانت لسه طفلة بتدور على مستقبلها في الأرض وهى بتحبي..
-
- بيزورني.. ما أقدرش أقول لا.. لكن من كام سنة.. قبل الخطوط ده ما تترسم على وشى، والشعر دا ما يبيض، وتقع منى اسناني والسنين.. ماجاش…
خايف اضطر أبعت له بعد ما تموت ضحكتي إللي  بدأت تخرج من عندي وتتوه، فأدور كثير لحد ما ألقاها نايمة  فى شارع أو مرمية في صفيحة زبالة.. نفسى أتأكد إنه هيقدر يرفع خشبتي ويشارك في دفني، ويرش المية على تربتي (يمكن تخضر دنيتي)  ويقرا علىّ الفاتحة.. نفسي.
هز راسه وسابني.. قام فتح درجه.. خرج منه خشبة وحتة قماش بيضا قد الكف.. قعد قدامي.. طبطب علىّ وقاللي..
- شوف أنا ما أقدرش أضحك عليك.. الدنيا كاس داير، إللي تصبه فيه هو إللي هتشربه.. كمان مافيش إجابات جاهزة علشان تريح نفسك أو أريحك.. الدنيا مش كدا، لازم تلاقي إجاباتك لنفسك، هو دا الحساب إللي لازم تدفعه… لكن أنا أقدر أقول لك إن هى عملت إللي عليها، وإن أنت مطلوب منك إنك تعمل إللي عليك.. خد.. روح اعمل زى ما عمل أخوك.. احفر وحطها فى تربتها واردم ما تسبش لحكايتها في الدنيا أثر، يمكن دا يخليها تبطل تطلع في حلمك، وألحق إللي بيضيع ماتستناش لما الدنيا تكمل كرمشة وشك وتموت ضحكتك.. ابنك لسه مابقاش بعيد، مابقاش حلم..
وضحك.. ضحكة صافية، كأنها بحر بيغسل ويطهر..
 قام العجوز.. مسح على وشه بإيده، نشف دمعته.. بانت له سما صافية.. شاف على البعد غراب طاير.. استعجب وبص للحانوتي.. وسأله..
- لما هو لسه بيعلم.. بيحفر ويدفن ويردم ويمكن يكون بيرش مية.. أمّال أنت بتعمل إيه؟.. ليه ربنا بعتك؟..
فشاور الحانوتي ليافطته.. وقفل اليوم.
عارفين.. الحكاية ده مش زى كل الحكايات إللي كتبتها قبل كدا، مش أغرب، لكن مختلفة.. يمكن لإنها حكاية الحانوتي آخر واحد بنشوفه قبل ما يتقفل علينا القبر ويمكن لإن كتير مننا بيقضى كتير قوي من عمره ويمكن يموت كمان من غير ما يفهم أو يوصل إلى حقيقة  إن الدنيا كاس داير وإن حسابك من كاسك.. وراحتك في إيدك.. أنت فاهمني..؟؟!!

* ترجع اهمية النقاش إلى أنه يستطيع تغيير شكل الدنيا عن طريق اعادة دهانها بألوان فاتحة .. يمكن العودة إلى المدونة لقراءة حكاية النقاش واللون .

الخميس، 4 أبريل، 2013

تصادم


تصادم 

انهار البنيان فجأة، خرج من داخله مقتولا بالتعجب - فقد صرف عمره فى رفعه حتى كاد يلمس به حد السماء- عندما فجأهُ -ابنه- برسالة تطالبه بالإرث.

الاثنين، 1 أبريل، 2013

خيال مآته


خيال مآته *

نبتة الأرض أحبته، والطائر العاشق كرهه...
كانت تفترش تحته وتنام.. فكان يقترب حتى يحط عليه ويقف متأملا.. أمِلا.. لكن الريح التى تهز وجدان كل شئ كانت تحركه.. حركة للأمام، حركة للخلف، فيلعنه الطائر العاشق فى سره ويطير مبتعدا خوفا من سقوط فى شرك.
 
*خيال المأتة : عروسة فى الغالب تصنع من القش توضع فى الحقل لمنع الطيور من التغذى على الحبوب والنباتات الصغيرة.