الخميس، 28 فبراير، 2013

الحطاب والبلطة


الحطاب والبلطة

زمان.. زمان قوى كان فيه رجل فقير وطيب كان شغال حطاب.. كان كل يوم الصبح ياخد بلطته وينزل الغابة الواسعة قوى ينقى شجرة من أشجارها ويقطعها.. ياخد خشبها يبيعه وياكل بثمنه..
فى يوم شجر الغابة  قال :
إيه حكاية الحطاب دا.. هو كل يوم يقطع شجرة منا علشان ياكل.. طب إحنا إيه ذنبنا.. إحنا كدا هنخلص..
 شجر الغابة فكر، وبعدين اتفق مع بعضه إنه يخبى بلطة الحطاب علشان يمكن ساعتها يقدر الحطاب الطيب يبطل شغل ويحتفظ الشجر بحياته، وفعلا الصبح الحطاب دخل الغابة وبلطته فى إيده ويادوبك حطها جنبه شجر الغابة جرى وبسرعة  رمى أوراقه عليها.. الحطاب قعد يدور ويلف طول النهار، ولما الليل جه ورمى ظله على وشه  روح بيته ونام من غير عشا.
الصبح رجع الغابة تانى يدَوَر،  وفضل على الحالة ده وقت طويل... طويل.. طويل، والشجر ميت م الضحك عليه..
"أما حطاب طيب بصحيح.."..
كام سنة عدّت والحطاب مش لاقى البلطة.. يأس ولامات..؟..  ماحدش عارف لكن المهم إنه انقطع تماما عن الذهاب للغابة إللى كانت بتنمو وتتضخم وتتشابك أغصانها فى سرعة غريبة خلت كل شجرة تتخانق وتزق إللى جانبها علشان توسع لها مكان ليها ولفروعها الجديدة...
وبعدين لو زرتو الغابة دلوقتى ماتقدروش تحطوا رجليكم جواها.. مافيش مكان لشجرة جديدة.. آلاف من الشجر الوليد بيموت.. كل يوم الشجر الكبير يدفن عشرة وعشرين وثلاثين ويبكى - إللى ماتوا قبل ما يطولوا الشمس أو يترسم ضوئها على وشّهم -  فتتبل الأرض مية،  فتنمو فروع جديدة للشجر الكبير تمنع صورة الشمس من الوصول للأرض إللى تنكمش من البرد وتعفن.. يندم الشجر لأنه مش قادر يتنفس م الزحام ويتمنى لو يرجع تانى الحطاب  إللى يأس أو مات ماحدش عارف..
عارفين  المشكلة الحقيقية إللى بتواجه الشجر، إن الشجر نفسه  نسى مكان البلطة -إللى دفنها فى تربته- الشئ الوحيد إللى ممكن يرفع عن الحطاب توب اليأس أو يحيه لو كان مات.

السبت، 23 فبراير، 2013

عن العشاق


عن العشاق

ليلى إللي وعدت قيس إنها ترمي نفسها تحت القطر لو يوم طيفه -إللي يشبه ملاك– ماقدرش يدخل خيمتها... النهاردا سابت خيمتها وسكنت مع ظل قيس إللي فضل طول الليل يقنع فيها إنه هو قيس الحقيقى لحد ما اقتنعت واستسلمت له وفي النهاية لما داب فيها واختفى جواها حزنت جدا وعرفت قد إيه هىّ غلطت لما شافت في مرايتها عتمة ظله اترمت على وشها فرمت نفسها تحت القطر. 
 ***
قيس إللي سمع صوت القطر من بعيد، حس لحظتها إن قلب ليلى بينبض بسرعة عجلة القطر لكن مافيهوش ولا نقطة دم ومش محتفظ جواه بولا صورة واحدة م إللي كان قيس متصور فيهم وشيلاهم ليلى جواه، فأخده الحزن لبعيد بعيد واتذكر وعد ليلى، فدخل الخيمة الضلمة ونام، بالليل في الحلم.. عفريت دا ولا ملاك؟!.. مش عارف، لكن العتمة إللي كانت ع الوش دلت على حزن عجيب عمره ماشافه فى مراية ولا حاول مرة يرسمه على وشه، ففضل طول الليل يطارده من صحرا ل صحرا لحد ما أغمى عليه ولما فوقه الأعرابى إللي كان سايق الجمل وبص قيس في مراية البير صرخ ومات قتيل الرعب إللي مرسوم على وشه.
 ***
الزمن العجيب إللي جمع بين ليلى وقيس في كتاب واحد في صفحة واحدة.. في سطر واحد.. ماكانش متصور إن ده تكون نهاية حب كبير ابتدا في لحظة غفل فيها الجميع إلا الليل إللي ضمهم والبير إللي عكس صورتهم.. فقلب صفحات كتابه بسرعة يدور على حل ولما فشل، لإن كل سطور كتابه كانت بتنتهى بواحد تحت قطر أو واحد بلعه بحر أو واحد متعلق على شجرة أو واحد نايم زى ملاك لكن بيحوم على وشه ضباب الموت.. رمى بكتابه في قلب البير ودور على وسيلة جديدة ينتحر بيها.

الخميس، 21 فبراير، 2013

6 حكايات عن قصص قصيرة جدا


6 حكايات عن قصص قصيرة جدا
1- حكاية أول قصة قصيرة.. اكتبها
أفتكر... لما كنت صغير قامت في دماغي في يوم من الأيام أكتب قصة.. ليه ماعرفش.. وأفتكر إني كتبت قصة.. وأفتكر كمان إنها كانت عن ولد صغير جدا، وجميل جدا، وبنت صغيرة جدا، وجميلة جدا.. حبوا بعض بشكل ما من أشكال الحب إللي يعرفها بس العيال الصغيرين.. أنا كنت سعيد جدا بقصة الحب ده،  لكن في نفس الوقت كنت مكسوف جدا لدرجة إنى خبيت القصة كلها عن أي حد أعرفه، لكن أفتكر برضه إنّه في يوم من الأيام أنا وجدت القصة في إيد أبي... ماعرفش إزاى عثر عليها.. لكن المهم إنّه بعد ما قرا القصة.. رمى في وشي بالكراسة وضربنى قلم أو قلمين مش أكثر ومشى غضبان... ليه؟.. برضه ماعرفش.. ساعتها حزنت جدا.. جدا.. وقطعت قصة الحب قطع صغيرة جدا.. جدا خوفا من إن أى حد تاني يقراها ورميتها في الشارع ونسيت القصة..
من ساعة واحدة بس أنا عثرت على أول قصة قصيرة كتبها ابني الصغير جدا.. جدا.. وقريتها..  ومن ساعة واحدة بس أنا رميت ابنى الصغير جدا.. جدا بالكراسة في وشه وضربته قلم أو قلمين مش أكثر.. وقلت لنفسي.. "ولد صغير جدا يحب بنت صغيرة جدا.. قلة ادب".. ومشيت غضبان وتوقعت إنّه هيرمي بقطع الورق الصغيرة جدا في الشارع ويحزن جدا.. جدا..  وينسى الحب.
2- حكاية قصة قصيرة..  جميلة جدا
مرة كتبت قصة قصيرة جميلة جدا.. لما شفتها قلت لنفسي.."لو لبستها فستان قصير جميل، وعملت من شعرها الطويل ضفيرة وحيدة بلون الليل.. ممكن شباب كثير يتسلقها ويقع فى حب صاحبتها.. ويملوا صفحات وصفحات عن جمالها وحبهم، ويسهروا ليالى وليالى، ويبكوا أيام وأيام، وينتحروا واحد ورا واحد....".. وعلى كدا فكرت في تغير شكلها، بدل اللون الخمرى خلتها سودا، وبدل الشعر الأسود خليته أصفر، وضحكت قوي لما لقيت سودا بشعر أصفر ومت م الضحك...
تصور إني لحد دلوقتي باموت م الضحك كل ما أقرا قصتي القصيرة جدا إللي كانت جميلة جدا بوشها الخمرى وشعرها إللي زى الليل.
3- حكاية قصة قصيرة.. طالت جدا
مرة حاولت أكتب قصة قصيرة، لكن طالت مني جدا لدرجة إنها قدرت تحجب عن عيني ضوء الشمس وماقدرتش أبدا أشوف إللي مرسوم وراها، وفضلت سنين طويلة مش قادر أحدد ملامحها ولا أرسمها في دماغي، ولما يأست قلت لنفسي.. "لازم أهدم أجزاء من عملي علشان أقدر أشوف بقيته..".. وفضلت أسأل نفسى أهدم أي جزء أوله ولا وسطه ولا أخره، ونمت مشغول جدا بالموضوع دا... الغريب إنّي لما نمت حلمت بيها وحلمت إني قدرت أشوف إللي وراها.. كانت سما مليانه نجوم.. عيال بتلعب وناس شغالين تعبانين... لكن برضه كان فيه واحد قاعد على كرسي عالي وبيدخن وساكت.. شكله خطير.. كان بيفكر إزاى يهد الأول ولا الوسط ولا الأخر من غير ما يوقع قصتي..
4-  حكاية قصة قصيرة..  قبيحة جدا
مرة كتبت قصة قصيرة قبيحة جدا، لما قريتها حسيت إن القبح إللي فيها فاق حتى قبح الواقع إللي أحنا عايشينه.. طب منين جه القبح دا؟...
أنا فكرت كثير وكررت قراءة القصة أكثر من مرة وفي كل مرة ألاقى القبح بيزيد مش بيقل.. طب من إيه!!؟
..يمكن من كمية الزبالة إللي مرمية قدام بيت البطل، والا من غلو الأسعار إللي كان بيفجع البطلة كل ما تنزل السوق، ولا يمكن من تكثيف وجمع الواقع المر إللي عايشه البطل والبطلة معا فبدل ما كان هو عايش في مر وهى عايشه في مر اتوحد مرهم، ولا يمكن علشان النهاية المفجعة إللي انتهت بيها حياة البطل وهو بيرمى بنفسه من فوق سطوح البيت لما شاف البطلة إللي ماقدرش يضمها لصدره ولامرة مرمية فى حضن واحد راكب عربية جميلة جدا...
عارفين أنا متهيألي إن العربية ده هى سبب القبح الشديد إللي في قصتي.
5- حكاية قصة قصيرة... حزينة جدا
مرة كتبت قصة قصيرة حزينة جدا، لما قريتها حسيت إن الحزن إللي جواها أكبر من حزن الدنيا كله.. قلت لنفسي.. "لازم أقلل درجة الحزن فيها".. وعلى كدا فكرت في النكتة.. ولما كان عمري ما خلقت النكتة و لا قلتها... سألت عن أي واحد يقدر يخلق نكتة...  يمكن يلاقي مكان في قصتي القصيرة الحزينة جدا مناسب ولو لنكتة واحدة.. وبعد ما دخت وطلع ديني.. عرفت إن أخر واحد كان بيخلق نكت مات من عشر سنين، ومن ساعتها الناس ماقدرتش وما أصبحش حتى عندها القدرة إنها تضحك.. وعلى كدا أنا احتفظت بقصتي القصيرة الحزينة جدا كما هى، مستني إللي هيقدر يلاقي المكان المناسب والنكتة المناسبه له وكل ما أقراها أبكي قوي... قوي.. لان الحزن إللي جوايا أكبر من حزن الدنيا كله.
6-  حكاية قصة قصيرة جدا.. بلا نهاية
مرة كتبت قصة قصيرة جدا.. وأنا بكتبها لقيت إن التطور الطبيعي للأحداث إن بطل القصة لازم ينتحر.... لكن إزاى!!!... دا البطل!!!... "لو أقدر أغير مصيره..".. احترت جدا، وفكرت في اعادة صياغة القصة من جديد... لكن كل طريق مشيت فيه كان بيقربني من النهاية الطبيعية.. انتحار البطل وعلى كدا سبتها بدون نهاية.. وكل يوم أكتب سطر جديد في القصة علشان أطولها يمكن أقدر أغير المصير الطبيعي لبطلها.. لكن الغريب إن كل سطر جديد ينكتب بيقربني من الانتحار. 

الجمعة، 15 فبراير، 2013

حواديت للبنت إللى نامت


حواديت للبنت إللي نامت

الشاطر حسن شايل على اكتافه شنطة السفر وماشي في بلاد الله سواح بيدور على ست الحسن
 .."من الساعة إللي العبودية  صارت فيها فرض على كل مسلم أنا حسيت إن فتاة أحلامي هلاقيها في بغداد..."
 آخر مرة قابلها كانت في إيد تاجر عبيد في سوق بغداد.. الشاطر حسن غفل –يادوبك – ضاعت منه...
"الضياع إللي أنا عايشه وعيشاه كان ممكن ينتهي في اللحظة نفسها – إللي شفتها فيها- لوقدرت أنقذها بالسيف بدل الفلوس"..
لمين اتباعت؟!... ماحدش عارف...
"التوها المره ده كبيرة جدا زى ما تكون الدنيا كلها علىَّ وعليها.."
 .. الشاطر حسن بيلف أسواق الدنيا كلها، ويسأل كل تجار العبيد.. إن حد يدله
.."نفسى أقدر الحقها قبل ما يفوت الأوان.."
..فين صدر عن البنت إللي نايمه صوت يدل على إنها قفلت آخر باب من أبواب الصحو...
*                *                   *
ست الحسن إللي نزلت الأسواق أول مره مشتريه، انتهى بيها الأمر – مع ارتفاع الأسعار – إنها تبقى سلعة وتباع
 ..."سلسال الظلم إللي جرني من أسواق الدنيا رماني في سوق بغداد جارية"...
 تاجر العبيد حطها في السبت ووقف ينادي على البضاعة العال...
 "بضاعة !!! عمري ما فكرت إن البضاعة بتحس أو تنكسف، لكن دلوقتي وأنا جوا السبت مكسوفة من عري باعيط يمكن دموعي تسترني..."...
 عشرات الرجاله – إللي معدين عليها- مدوا الإيد ولمسوا وفحصوا إللي عايزينه...
 "كلهم بيفكروا بنفس الطريقة... كلهم بيلمسوا نفس المكان.. آه لو دموعي تسترنى"....
  وفي النهاية كانوا بيلاقوا اسباب علشان يسيبوا البيعة.. الوحيد إللي عاز يشتري من غير ما لمسها كان هو...
"رمشه غطاني لما قفل عينيه.. من زمان.. كان دايما بيخبط على باب حلمي بنفس هيئته ماينقصوش غير بس سيفه يا ترى راح منه فين!!؟؟"..
 في اللحظة إللي اتحرك فيها عدى الوزير..
 "الكابوس.."
عاين البضاعة...
"الكابوس..."
 فاصل في الثمن ودفع...
"الكابوس..." ...
 أمر التاجر - إللي شال السبت على راسه- إنه يوصلها البيت...
 "الكابوس..."
 في الطريق م التعب والحزن لهروب الحلم نامت بعد ما فتحت صندوق الكوابيس
*                  *                     *
أنا شلت البنت م السبت وحطتها في السرير.. كانت جميلة زى حورية سهت ربنا وهربت م الجنة.. فكرت افترسها لكن حكايتها الحزينة إللي أنا بنسج خيوطها من حرير أيامي.. وإللي كانت قربت تخلص مني ودموعها إللي سايله غطا والوزير إللي اشتراها على شرط إنها لسه بكر خلاني أفكر كثير وأخاف أعمل اى حركة عنيفة لتصحى واضطر أكمل حزنها...

الخميس، 7 فبراير، 2013

الفأر الذى أكل القط



الفأر الذى أكل القط

يوم ذهبت إلى السلة ولم أجد ما اعتدت أن أجده من بقايا الخبز بها لم أنشغل كثيرا.. جلت فى البيوت المجاورة، ولم يطل تجوالى ففى إحدى السلال وجدت بغيتى وأخذت ما أردت وأكثر  ومضيت إلى حال سبيلى.. حتى فى اليوم التالى عندما لم أجد فى السلة بقايا الخبز واتجهت إلى البيوت المجاورة ولم أجد بها إلا أقل القليل لم أفكر كثيرا.. قلت لنفسى...
"ربما يوجد سبب ما يمنعهم الخبيز، لكن لا داعى للقلق فغدا سوف يخبزون.." 
لكنى حين ذهبت  فى اليوم الثالث ولم أجد ما أقتات عليه لم يبق فى نفسى ذرة شك فى أن القحط قد ضرب بجذوره  فى هذا البيت والبيوت المجاورة وأنه لم يبق أمامى سوى الهجرة... وهجرتى ليست بالأمر الجديد.. فأنا دائم التنقل من بيت إلى بيت، لم يلفظنى يوما بيت، لم يبخل علىَّ، دائما ما يبوح لى بأسراره ويكشف عن كنوزه المخبأة.. حتى أننى أحس دائما بألفة بينى وبين هذه البيوت.. أختار دائما أكثرها راحة، فالأكثر هو الأغنى، والأغنى دائما ما يتوافر لديه الطعام، ويزداد فتات الخبز وبقايا الجبن المولع بهما...
فلتكن الهجرة.. متسلقا الحوائط أمضيت يومى متنقلا بحثا عن الأفضل، لكن ما أقلقنى حقيقة أنه فى جميع السلال التى قابلتنى لم أجد أى فتات خبز... ماذا حدث لهؤلاء الناس؟!... تشابهت البيوت.. جميعها فارغة.. عدت من جديد إلى مكمنى.." علىَّ أن أقبع وأنتظر..."
*       *          *
الشمس تشرق وتغرب، والليل يسبق النهار، والجوع يحاصرنى، كل بيوت القرية معدمة.. دخلت بيوتا لم أكن قد دخلتها من قبل حتى وصلت إلى سور.. أين بدايته؟!... أين نهايته؟!... فلأتسلق وأنظر... إنه يختلف عن كل بيوت القرية... "هنا سوف أجد ما أريد وأكثر"
*      *         *
حين دخلت البيت كان القط ينام على سريره.. جفلت.. لم يتحرك له جفن.. نظرت إليه مليا.. استعدت هدوئى لسكونه المبالغ فيه كل ما حولى يمكن أن يؤكل.. حتى جدران هذا البيت لكن أثمن ما فى هذا البيت هو هذا.. فليكن هو بدء الطعام... التهمته.... (التهمه الفأر) 
*      *        *
حين هاجمنى الفأر رعبت، لم أكن أتخيل أن يهاجمنى يوما ما فأر، كثيراً ما أكلت من هو مثله بل أن أحجاما أكبر منه كانت تفقد قدرتها على الحركة بنظرة منى..
منذ وصلت إلى هذا البيت ووضعت على هذا السرير.. وصار يشرف على طعامى وخدمتى الكثيرون، لم أعد بحاجة إلى الفئران، نسيت أن هذه المخلوقات التعسة تحيا فى هذه الدنيا، نسيت كيف تصاد... أى حظ عاثر ألقى اليوم بهذا المخلوق التعس أمامى.. شهيتى للدم خفتت.. مر من أمامى مرات عدة.. كان يبحث وينقب كمن يرى العالم لأول مرة.. صدمه ما يراه، مثلى حين دخلت البيت لأول مرة... "ربما تتبناه هو الآخر أمى الرؤوم"... كنت أرمى عليه نظراتى النارية، لم تصعقه، لم تسعفنى السمنة.. حين استدار وأمسك ذيلى.. لم أهتم.. قلت.. "ربما أمسكه على سبيل الخطأ"... حين وضع ذيله أمام عينى، حين داعب شواربى، شد أحدها مسببا لى ألما حادا... قلت لنفسى.. "دعه يلهُ لا تجعل فأرا يقلق نومتك المريحة.."..... –لولا التخمة لالتهمته-... منذ سنين عدة لا أفعل شيئا سوى الأكل والنوم... "آه يؤلمنى بتصرفه".. هنا من الطعام ما يكفيه.. لماذا يوجه لى تلك النظرات النارية؟!.. لماذا أنا دون باقى الموجودات؟!!!!
*        *        *
ما حدث فى اليوم الذى أكل فيه الفأر القط 
طال الليل قليلا.. ضرب الجوع القرية وتساقط الفلاحون فى الطرقات والحقول والبيوت مرضى وجثث... حاصرت الشرطة القرية وعزلتها، تحدثت الحكومة عن مشروع جديد لاستصلاح الأراضى ووعدت بتوزيعها على الفلاحين والخريجين.... ضربت سيارة مسرعة عابر طريق.. لم تتوقف.
دق المنبه فى حجرة نوم السيدة، هبت من نومها، ذهبت إلى المطبخ، فى طريقها أيقظت عددا غير قليل من الخدم، فهذا موعد تناول القط  لغذائه وهو السبب الوحيد الذى من أجله تدخل إلى المطبخ، فهى لا تثق فى أولئك الخدم.. تخشى أن يتسرب التلوث إلى أكل ابنها، فلذة كبدها، ولهذا فهى تعد له وجباته الغذائية بنفسها، أخرجت الفرخة من الثلاجة ووضعتها فى الماء بعد أن أخلتها من العظم، أشعلت النار وجلست تنتظر.... 
كان الليل يطارد النهار يقتله فى الطرقات.. والقمر ينظر ولا يرى فى الظلام.. والنهر يجرى ويجرى حتى يغشى عليه من التعب دون الوصول إلى هدف.. والقط ينتظر الغذاء بلا رغبة حقيقية والفأر والجوع شريكان متلازمان.....
*         *        *
لم هو دون باقى الموجودات؟!!.. 
كل شئ أمامى يثير الشهية... الأثاث.. الستائر.. السجاد... أصناف الفاكهة الموضوعة  فوق منضدة تتوسط الغرفة... عشرة أيام لم أذق خلالها إلا أقل القليل.. هزل الجسم.. هزل حد الموت.. لماذا اخترته.. لا أدرى.. حين دخلت لم يكن يجول بخاطرى ما حدث.. أنا أهاجم قطا!!!؟.....
قصتى وقصته معروفة.. كنت وهو أصدقاء.. يوما ما أراد فأر أن يعبر نهر الحياة لينال الخلود.. قال له قط.. هيا أعبر فى قاربى، حمله حتى المنتصف عندها امتلكه الطمع فافترسه... من يومها لم يجرؤ فأر على معاشرة قط فكيف بمهاجمته!!؟...
حين رأيته بحجمه الهائل رعبت.. لولا حاجتى الملحة إلى الطعام ماجازفت قَطْ... تسللت.. لمحنى.. لم يتحرك.. ألقى ناحيتى بنظرات خملة.. ثم عاد من جديد إلى النعاس.. اقتربت.. تحسسته.. إنه محض دمية.. دمية شحم ولحم على شكل قط.. أ كل هذا له هو؟!!... من يكون؟!... لم يفضل هذا المخلوق علىَّ وعلى الفلاحين؟!... أكرهه.. أكرهه كما لم أكره قطا من قبل رغم افتراس القطط الدائم للفئران... أشاكسه.. يسترخى مستطيب النعاس.. نعم أنت أثمن ما فى هذه الحجرة وأحقها بالأكل... سأبدأ بك.....
*         *         *
لماذا أنا دون باقى الموجودات؟!....
يلتهم الذيل... آه... ألم شديد.. من سنين عدة، لم أعد قادرا على الحركة.. أدمنت الكسل.. فى البدء كنت مثل أى قط... حتى اشترتنى أمى الرؤوم.. يومها.. احتضنتنى.. قبلتنى.. قالت وكلماتها تنز ألما...
- من اليوم أنت ابنى الذى لم أنجبه، لن أجعلك تحتاج إلى شئ فى هذه الدنيا... سأدخلك جنتى. 
لم أفهم... ماذا تستطيع أن تقدم لى.. مطالبى تنحصر فى قليل من الطعام والشراب.. ما يسد الرمق ويحفظ الحياة.. لكن حين أتى موعد الغذاء آمنت أنى لم أكن أحيا وأن الدنيا قد ابتسمت لى، يومها أكلت حتى كدت أن أموت من كثرة الأكل..  
فى المساء آمنت أن الجنة سهلة المنال وأنه فقط الحظ.. ونمت.. سنين عدة يأتى لى الطعام وأنا راقد  هنا... آكل حتى أموت شبعا ثم أنام.. طبقات الشحم المتراكم تحدث بما أنا فيه من نعيم.. سبحانك ربى تعطى من تشاء... فلماذا أنا دون باقى الموجودات؟!!
*           *          *
ما حدث فى اليوم الذى أكل فيه الفأر القط 
داس الناس فى الطرقات جثة النهار بحثا عن قاتله والطعام، أخرج الليل لسانه إلى ناس الطرقات العابرين والمتسوليين، كانت القرية على حالها وقوات الأمن فى ازدياد  والأم الرؤوم تغالب النعاس والطعام على النار والقط فى انتظار معجزة والفأر يلتهمه...
*            *         *
لم هو دون كل الموجودات؟!!....
 لماذا اخترته.. لا أعرف.. لكنه وبالتأكيد أهم مافى هذه الحجرة ما دامت مسخرة له.. عشرة أيام لم تدخل جوفى لقمة.. يموتون خارج هذا القصر جوعا وهذا لا يشعر مجرد شعور بما يحدث فى الخارج ولهذا ينام ويأكل.. يتضخم.. ينفجر الحقد داخلى... ماذا لو آكلك يا هذا؟... هل ستحزن عليك سيدتك؟... هل ستمتنع عن الطعام فتموت؟... أعرف أنها متخمة بالطعام مثلك وأننى إن هاجمتها فلن تستطيع الدفاع عن نفسها ستنتظر منك أن تدافع عنها... ليكن سأهاجم سيدتك ومادمت ستدافع عنها سأهاجمك أيضا.. ها أنا ذا أقرض ذيلك.. أذنك.. أنفك.. الدم يندفع.. يثير غرائزى.. يزداد نهمى للافتراس.. ما أحلى الأكل بعد طول جوع.. توقفت فيك الحركة.. الآن أقرض جثة ميت.. آه... شبعت.. امتلأت حتى آخرِى... لو أعلم لأتيت بعشرات الفئران إلى الوليمة.. آه لو أعلم....
*         *         * 
لماذا أنا دون باقى الموجودات؟!..... 
لو أن سيدة الدار.. أمى الرؤوم تدخل الآن لأنقذتنى.. رعبى أكبر من أن يحتمله قلبى الرقيق... فرائى الثمين يعبث به هذا الحيوان القذر.. مئات الأيام يأتى الطعام فى الميعاد، لو تأخر بضع ساعات لأكلته.... آه... ماله يلقى لى بنظراته النارية.. أعرف أن هيئتى لم تعد تخيف، لكنى قط وهو فأر ويجب على الفأر أن يخاف القط... 
يقرض ذيلى... لماذا؟؟... من سنوات لم أقتل فأراً، هل بينك وبينى ثأر قديم... يقرض الأذن.. آه.. لو يقترب من أسنانى لو يضع رأسه بينها ويدعنى حتى أضغط.. يؤلمنى.. لو تدخل الآن سيدة الدار.. الغرفة مغلقة... لو ملأت الكون ضجيجا لن تسمعنى.. يا سيدة الدار انجدى ابنك... يا هذا اذهب وكلها هى أسمن منى، أضخم منى، ستجد ما يكفى عشيرتك وقريتك اذهب... اذهب.. مالى أرتعش.. قواى الخائرة تخور.. أسقط على جانبى، يعتلى جسدى، لم يعد يقرض، ولم يعد يؤلمنى، لكنى أموت... آه لو سيدتى تعلم. 
*        *         *
ما حدث فى اليوم الذى أكل الفأر فيه القط 
انطفأت أسطوانة الغاز... أسرعت الأم الرؤوم إلى التليفون.. ترك عامل الإسطوانات طوابير الواقفين وأسرع بواحدة.. فى الطريق أزاح المتجمعين طلبا لها.. ركب الأسطوانه.. مهرته السيدة الأجرة مضاعفة.. شكرها وانصرف.. أضرب عمال طلبا لزيادة الأجر بعد أن صار الأجر لا يكفى.. (العيش الحاف)... تدخل البوليس وفض الإضراب بالقوة... ضربت سيارة مسرعة عابر طريق... لم تتوقف... رفعت الحكومة أثمان الزيت والسكر والشاى والبنزين ووعدت بزيادة المرتبات.. أنهت السيدة الطعام وذهبت تتقدم ثلاثة من الخدم إلى الحجرة. 
*        *       *
فى الحجرة 
كان الأثاث على حاله.. السجاد على حاله.... الستائر.... المأكولات.... لكن القط.... "دم".... "دم".... على حافة السرير وجدته جثة... أسرع الخدم لطلب البوليس والدكتور... جلست الأم الرؤوم تبكى فقيدها.... كان الفأر فى الركن المقابل ينظر مندهشا... علام تبكى.. أعلى هذا الأبله؟!!.... تطلع إليها...  إنها تكفى مئات الفئران وعشرات القرى... لمحته... كان يصوب إليها نظراته النارية.. ارتكزت على حافة السرير... تقدم نحوها.. صرخت بأعلى صوتها....
- سيأكلنى....... سيأكلنى...... 
(ستأكلها؟!!!... امْشِ يا فار يا ابن الكلب... هتاكل ستك... لا دا أنت زودتها قوى) 
توقف الفأر.. نظر لى مستغربا.. (مش أنت إللى قايل لى كلها).... غمزت له... فهم الفأر وانصرف، لكنى كنت أبيت النية كى يأكلها الفأر

الأربعاء، 6 فبراير، 2013

خواطر قيسية



خواطر قيسية


 الظلام حالك، فهل تدركينى بنور عينيك حتى أهتدى بهما، أم تتركينى -كعادتك دائما- أضل الطريق. 
* * *
خرج من رحم الحقيقة الآن فقط فكيف كان سبوعا بلون الدم وطعمه.
* * *
فلنؤجل الحديث الآن فهى - المتسترة بظلام الليل - تستعد للذبح.
* * *
فقط عندما رفع المؤذن صوت الآذان انكشف وجه الخيانة النائم بجانبه وانكسر الحلم والحالم. 
* * *
دفعها بيده وهى نائمة بجانبه، فقط ليتأكد أنه الآن وحيدا.
* * *
هيا إلى البئر لعله يستطيع أن يغسل وزرك أو نغرق فيه براءتى.
 * *  *
عندما خرج من خيمته هذا الصباح، انذهل الكون فالخنجر المرشوق بظهره يقطر دما.
* * *
لا شئ للأبد - كاذبة - الكل إلى فساد.  

الثلاثاء، 5 فبراير، 2013

السيرة الذاتية لحامد بن إسماعيل


السيرة الذاتية لحامد بن إسماعيل

أنا "حامد بن إسماعيل العاقب  بن إبراهيم الصادق بن العاصي" ولدت عام الفيل،  ربما قبله بقليل، ربما بعده بكثير،  لكني بالتأكيد ولدت في عام الفيل.. لا أتذكر الكثير عن طفولتي ولا من طفولتي،  لكني ولدت في بيت لاباب له يدخله من يشاء وقتما يشاء.. كان أبي دائما في انتظار الزائرين،  لذلك تجده كان في انتظاري حين ولدت.. رحب بى.. مد لي سفرة الطعام وقدم لي ما يقدم للمسافر والضيف.. أمي هى الأخرى كانت مشغولة  عني بأمور الأسرة ونظافة وترتيب البيت لذلك لم أجدها كثيرا في طفولتي ولم أجدها مطلقا في كبري.. الأخوات والإخوان حين ولدت لم يكن أيّ منهم بعد قد شاهد وجه الدنيا أو شاهدته،  فأنا البكرى من فُديت بعشرة من الإبل وخنزير لم ير العرب له شبيه سوى في أساطير قبائل لم يصل إليها بعد أحد.. أكلت من سفرة أبي مع كل غريب وسمعت حكايات السفر والمسافرين.. رضعت الشعر والقصة والرواية وسيرة بنى فلان حتى تشربت روح الأدب وطعمه.. أقتصد فأقول رحل أبي عن وجه الدنيا ذات مساء -لم ألمحه- فخرجت فيه أفتش في خيام العرب الآخرين عن بيت يأوي يتيما.. كان لي خال في قريتي البعيدة، كان قريبا لأمي من بعيد، وربما لم يعرفها قط.. لكنه رحب بي، فتح داره وقلبه وقال 
: عش حتى تكره الدنيا أو تكرهك، لن يرغمك شئ على مغادرة الدار..
صدقت خالي وزرعت في داره شجرة من الأمل، صاحبت أطفاله، رعيت صغيرهم.. صار أقربهم إلى قلبي.. أحببته، كان فيه صفاء السماء ونقاء قلب لم تغدر به بعد حبيبته.. صاحبني في حفلات التأمل.. دنيتي /حلمي. أرهقني طهره، حتى أني كنت أستند إليه حين أحتاج إلى التطهر.. لاحظ خالي ميلي إلى طفله النقى، وميل طفله النقى إلى ّ.. اطمأن قلبه وسعى في صحرائه ينمي أمواله.. قلت له 
: يا خالي، أريد أن أرى الدنيا وتراني.
قال : مازلت صغيرا على الهجرة والسفر وغربته.. "كان خالي يخشى بأس الأيام وقسوتها وخيانة أهل المدن البعيدة وغدرهم.. منذ أنبأه فنجان قهوة كان قد شربه مع مسافر أني والطاهر مابيننا سيف وصليب ينتظرنا في المدن البعيدة إيانا يصل أولا .. لذلك ظن أن زمن الهجرة والسفر لم يأتيا بعد وأن خروجي يقتل الأمل ويضيع طفله البرئ".. فانظر أيامك وتأملها حتى تبلغ الكبر.. 
في بيت خالي حرمت القصص والأساطير والشعر والاستئناس بالمسافر.. لم يبق لي سوى خيالي الذي يتبعني أينما رحلت فرعيته حتى يكبر و رعيت خالي وبيته كنت أذهب كل صباح إلى الخلاء أجلس فوق الصخرة "سميت في الزمن الأخير صخرة التنبؤ والتأمل والفكر الرصين لكنها الآن مجرد صخرة"  وأطلق أغنام أفكاري ترعى في هذا الفضاء الفسيح.. كان ابن خالي يجاورني.. يشاركني لعبتي المفضلة.. يصمت حتى أنطق، يسمع حين أنطق بالكلمات ويرددها.. ويتابع أفكاري ككلاب الصيد ولا يسأم الصمت الثقيل ولا الكلمات الكبيرة.. خالي كان يتعجب من غيابي عن البيت.. "ربما كان يقلقه غياب الصغير" يسألني دائما أين أذهب؟.. أتأمل سؤاله طويلا.. لكني لم أملك في يوم ما إجابة له.. فمن منا يدرك أو يعلم أين يذهب حتى يجيب على سؤال  مثل هذا، فأتركه مبتعدا، اعتاد خالي على سلوكي فصار يدعني لحالي ويحاول أن يتواصل مع صغيره،  لكنه ما كان يبوح إلا بما قلت له.. يسأله خالي فيصمت ويشير إلى البعيد، خالي يدرك البعيد، لكنه يسأله ماذا تفعلان؟، فيصمت ويشير إلى قلبه، لم يفهم خالي أن هذا هو الجواب -فالخلاء يريح القلب وينقيه ويطهره ويخرج زرعه الأخضر-.. لذلك يلح، فيتركه الصغير متبعا خطاى.. 
في ترحالي ما بين بيت خالي وصخرتي.. أراها.. كانت مثل النهار غامضة لا تبوح إلا بالنور والضياء، في البدء تابعت خطواتي بالنظرات، ثم باللفتات، ثم بالكلمات.. ألقت التحية فرجعت لها.. ثم بالتساؤل فكان الجواب.. ثم أشرت إلى بيتها وذهب خالي ذاهلا مذهولا.. وانتقلت إلى بيتها.. عز علىّ فراق الصغير وعز عليه فراقي.. 
في بيتها تغيرت الأمور.. صرت سيدا لي سلطة الأمر والنهى،  أتوسط الدار نهار كل يوم أحسب وأعد ما ربحت تجارتي / تجارتها وأوزع الهبات والمنح وأشير ليوم السفر ويوم الإياب.. كانت مليحة حلوة المعشر والمقام.. نسيت الدنيا ونسيت الصخرة.. وكنت من قبلها قد نسيت الأدب شعرا وقصة وسيرا.. لكني كنت ألمحه صباح كل يوم في ميعاد جولتنا التأملية يأتي إلى باب الدار يجلس في الجهة المقابلة يلاحظني وأنا أُعد النقود.. أُحاسب العمال والتجار.. عينه تقول لي شيئا لم يقله باللسان.. أعرفه.. هو يشتاق للرعى.. لأن يرى مرة أخرى أفكاري ترعى أمامه.. أُلاحظه طويلا في جلسته التي أبدا لا يملها.. لا ألتفت إليه كثيرا.. لكن مشهده لا يغيب أبدا عن بالي.. 
يوما ما قالت لي إني سوف أصبح أبا.. يوما ما انتفخت بطنها.. يوما ما سمعت في الدار ضوضاء وصريخا.. وسعادة بالطفل الجديد.. كانت تشبهه في براءته.. فنظرت له في مشهده الصامت.. وخرجت له.. أخذته من يده وسرنا.. كأن الأيام لم تغيرنا.. كأني أنا أنا.. وهو هو.. وصلنا إلى الصخرة.. كانت السماء غيرها.. والهواء غيره.. لكن الصخرة بقيت صامتة صامدة.. جلست وسألت كيف دارت بنا الأيام حتى تغير كل شئ وبقت الصخرة وأنت لم تتغيرا؟!!!.. نظر للسؤال وتركه يرعى فيما حول الصخرة.. حتى ارتد إلينا عشرات الأسئلة.. أخذنا الوقت حتى أظلمت علينا الدنيا.. لم ندرك الظلام إلا حين خرج إلينا النور من جديد عندها.. أمسكت يده وعدنا.. كان سعيدا يشع نورا كأنه شمس.. في البيت كانت ترضع الصغيرة.. كانت تحمل براءته ووسامة أمها، وربما كانت عند الكبر تحمل عقلي وقلبي.. "تمنيت".. ألقيت عليها السلام وجلست،  أخرجت ثديها من فم الصغيرة.. ألقت بها بين يدي، رفعتها وقبلتها وتمنيت أن تدوم سعادتي.. ألا أحرم الجلسة فوق الصخرة والنوم في حضنها..
اعتادت جولاتي اليومية وغيابي معظم الأوقات عن البيت وعنها.. ابتعدت كثيرا عن تجارتها.. لم تمتعض، فقط كانت تلقي لي بنظرات تشبه تلك التي كثيرا ما كان يقابلني بها خالي البعيد..  تعلمت الصغيرة المشى الهوينا.. لم الاحظ هذا إلا الآن وهى تأتي إلىّ بخطوات متعثرة.. ابتسمت لها فابتسمت الصغيرة وأشارت لي، كأنها تفهم وتحس بما أتمنى.. ضحكت لها وقبلتها من جديد.. 
تتكرر الأيام.. الصغيرة تنمو.. والصغيرة تولد من جديد.. وهى أم الأبناء ترعى البيت، لم يعد يقلقها الغياب الطويل.. اختفت حتى عن عينيها ومنها نظرات الشك والتساؤل.. وانتهى القلق مادمت في النهاية أعود إلى حضنها مشتاقا..  عادت الحياة للصخرة بعودتي إليها يصحبني هو.. لكنه كان عابثا هذا اليوم.. فاتحه أبوه أنه قد  كبر.. وأنه بلغ سن السفر.. أن التجوال حول الصخرة لن يطعمه.. وعليه من اليوم أن يلاحق القوافل.. كان حزينا لأنه سيخرج من الحلم.. مرّرت يدي على رأسه قبلته وقلت له
:  يمكن للأفكار أن ترعى في أى مرعى، وأنت تسافر عبر الصحراء ستجد هناك مراع أغنى من صخرتنا هذه.. ستكبر أفكارك وتسمن لا تقلق.. ربما يأتي زمن ونعود إلى الجلوس هنا تبادلني الفكرة بالفكرة... يومها طال جلوسنا.. طال تأملنا وصمتنا.. حتى انتابنا اليأس من الصمت فتحركنا في اتجاه الدار وافترقنا..
غادر بعدها بأيام مع قافلته الأولى.. افتقدته في الصباح حين فتحت الباب ولم أجده في جلسته أمامه ينتظر.. ذهبت إلى صخرتي وجلست.. كان فكري مشغولا به.. لكني سريعا ما غفوت.. وفي غفوتي هبط طائر من السماء.. أبيض كما شعر عجوز.. لم يكن قريبا حتى ألمسه ولا بعيدا حتى اتحاشا ما أثاره جناحاه من عاصفة ترابية.. هبط ووقف على الأرض أمامي.. مد لي جناحه.. لم أفهم.. اقترب.. وأعاد فرد الجناح.. ماذا تريد؟ لم أفهم.. خبطني بريشه في ذراعي.. فسرت في جسدي رعشة لبرودة غريبة مست حتى النخاع داخل عظامي.. وكأني كنت أنتظر لمسته لأفهم.. مددت يدي لجناحه.. انتزعت ريشة منه.. وبدأت الرسم على رمال الأرض.. لم أكن من قبل قد مارست المهنة.. لكن ما أرسمه كان متقنا.. كان رجل وامرأة.. وكان خلاء.. وكان شيطان مريدا.. وكان طردا من جنة أو إلى الأرض.. وكان أن قتل رجل الرجل وفر هاربا.. وكان أن مرض رجل وحملته امرأة باعت عليه كل ما تملك حتى شعرها.. وكان أن عبر رجل البحر بهم وكان عجلا يتبعه.. وكان أن عُلق  الرجل على صليب ولم يمت.. وكان وباء وكان موتا وكان فيلا يهدم بيتا..   وكان أن صحوت من النوم فجأة مع اقترابه.. أخذني خوفي وبردي إليها.. فزعت حين وجدتني على صورتي تلك.. ألقت بآخر الصغار إلى الأرض وضمتني إلى صدرها.. سارت بي حتى أوصلتني إلى السرير.. وهناك أرقدتني.. رمت علىَّ غطاءها وجلست تمسد رأسي وجسدي.. حتى سرت في جسدي حرارة يدها وعواطفها.. أغلقت عيني ونمت.. في نومي زارني.. كان فوق الصخرة يعيد تشكيل الرسومات، يدهنها بألوان من الذهب الصافي أو الفضة البراقة وحين انتهى أشار لي أن أكمل.. لم تكن معي الريشة فقد أضعتها عند الصخرة.. صرخ في وجهي وطار مبتعدا.. صحوت فزعا.. كانت ماتزال جالسة بالقرب من رأسي.. قالت إن نومتي طالت..  إني هكذا منذ ثلاثة أيام.. وإنها قلقت إلى درجة الموت حتى أنها استدعت الطبيب فأكد أني سأقوم من رقدتي لا خوف وسأسترد صحتي عما قليل.. لكنه نصحها بأن أبتعد عن الصخرة بعض الأيام.. تحركت من السرير صامتا.. نظرت تجاه الصغيرات الجالسات على الأرض.. وأشرت إليها.. أكبرهن.. وقلت لها
: أفتقده.. ألقت بنفسها في حضني وابتسمت، فعرفت أنها قد فتحت صفحة الغيب في كتابها وعرفت أنه لها وأنها له.. 
لم أطق صبرا.. خرجت من فوري إلى الصخرة.. كانت الرمال كما هى.. أين ذهبت الرسومات؟!!.. ماذا تعني؟.. تناومت لعله يهبط من جديد.. تغافلت لعله يستغل الغفلة ويلقي لي بريشة.. لكن الليل سحب حبل النهار ولم يظهر.. 
في الدار وجدت رسالته الأولى منذ سفره.. حدثني عن عالم بغير رمال.. تربة سوداء وزرع أخضر.. عن نيل وعن أهرامات وأنواع من الكتابات تشبه... لم يجد الوصف فترك المكان فارغا.. لكني فهمت.. رأيت وعرفت.. سعدت كثيرا لرسالته وأبعدت عن رأسي طائري وريشته وأملت في مستقبلي القريب أن أذهب إلى هناك.. حيث الرسالة كاملة.. والوصف الكامل. 

الجمعة، 1 فبراير، 2013

سندريلا والبؤس


سندريلا و البؤس

قتلها البؤس، الحزن ضرب بابها، الفقر أكل كل ما فيها حتى ثيابها، خرجت من بيتها تدُورعلى بيوت القرية لعل هناك من يمد اليد.
الأمير يسكن دائما على أطراف القرية، يجرى دائما بحصانه فى الحقول، يسبقه كلبه مرة، ويسبقه بحصانه مرة..
الآن هو يجاور سندريلا، يستوقفه حزنها، بؤسها، ثيابها المتأكلة.. يتوقف كلبه عن السباق، ويساير خطوات سندريلا.. الأمير يخرج من دهشته بسؤال..
-من أنت؟!.. لم أقابلك من قبل فى حواديتى؟! ..
سندريلا لا تجيب.. فقط تضع يدها على الجزء المتأكل والذى ينفلت منه ثديها.. الأمير تتملكه دهشته، فلا ينظر إليها كأنثى لهذا لا يتوقف طويلا أمام الثدى المتدلى، العين الكسيرة، الشفاه المرتعشة بردا وجوعا..
-من أنت؟!..
يسابق السؤال الجواب، كسباق الكلب الحصان.. الأمير لا يطيب له السير الهوينا.. الأمير أمير لأنه يسابق الريح، لأن حصانه يسابق كلبه.. لهذا يتخطى بسرعة دهشته، سؤاله المعلق بلا جواب ويسرع الخطى فى اتجاه أطراف القرية حيث القصر الذى لا يرى ساكنه سوى حدائقه الغنّاء..
 الأمير فى القصر يسترجع يومه كما اعتاد، يستوقفه مشهد الحقل، الفتاة ذات الثياب، الآن فقط وهو فى جلسته تلك والأشجار ترمى ظلها على حجرته، والأزهار تقذف ناحيته روائح الياسمين والفل والنرجس والاف الأسماء، يتخطى ذهنه كل هذا ليصطدم بعريها، بالثدى المتمرد على الثوب الممزق، الأمير يعرف طعم لحم الفقراء.. "من أين أتت؟!".. "لم أرها فى الجوار من قبل".. الأمير يحسم أمره.. "الصباح رباح" ..
-يا حاجب هذا القصر، غدا الحفل الكبير.. أدبح وأدعو كل من يحيط بالقصر للحضور.
فى عقل الأمير فكرة، فى رأس الأمير خيال، صورة لثدى متدل ... غدا حفل كبير.
***
الأمير يرتدى ثياب الحفلات، وجه الحفلات، روح الحفلات، يتقمص شخصية السعيد لأن أهل اقطاعيته يجاورنه.. يفتح باب حجرته ويهتف 
-هل حضر الجميع؟.
الجواب.. نعم.. يرسل الأمير خياله ليحلق فى أجواء القصر.. سيجدها بالتأكيد فى زاوية، تجلس على الأرض، تلم الثدى الهارب من حصار الثوب المتأكل إلى الفضاء كطائر أبدا لا يستكين إلى القفص، الأمير يعرف خجل الفقراء من العرى، يثيره مشهد جسدلا يجد الثوب الذى يحتويه، لا يعرف متى استطاب لحم الفقراء، لكنه يعترف أنه لم يجد متعة ما عندما تذوق لحم الأميرات، أن كل لحظات حياته السعيدة فى هذا الجانب قضاها فى لحم فقيرة، الأمير يخرج من ذكرياته على دعوة للنزول .. الأمير يتهيأ، الأمير يتحرك.. القصر يسكن فى انتظار حركة الأمير.
***
الأمير يدور فى جنابات القصر.. الحديقة.. يفتش فى الوجوه.. هو لا يرحب، فقط يدع يده تصطدم بالشفاه فهذا غاية المراد بالنسبة لهم، ومصدر السعادة بالنسبة له.. أن يلمسوا.. أن يقبلوا.. حجر أسود هو بالنسبة لهم.. يعبر الوجوه سريعا.. "فى رأس الأمير خيال".. تشابه عليه الأمر... "فى عقل الأمير فكرة".. هو يستعيد الآن صورة الخيال.. الثدى المتدلى، الفقر الذى يعرف طعمه فى العيون، لونه فى الشفاه، وبؤسه فى الثياب والقلوب.. الأمير يمنى النفس بليلته تلك..  "ستكون جزيرتى التى ألقى عليها مرساتى اليوم، أنا البحار العابر لبحار الفقر على الأجساد الفقيرة".. الأمير يقلقه أنه حتى الآن لم تصطدم عيناه بها، لم تخطف يده قبلاتها.. الحلم يتأخر، والآمير -الذى لم يعتاد الصبر حين يمر الخاطر بالبال- ينتابه القلق.. تتسرب إلى نفسه لحظات آلم.. الأمير لا يستطيب الحياة بهذه المشاعر، لذلك يسارع بعبور الوجوه، لكن الوجوه تتكرر.. "هل تشابه عليه الأمر؟!" .. "هل مر عليها ولم ينتبه؟!".. يشير إلى خدم القصر.. تقترب العيون والآذان..
-أين باقى سكان القرية؟!.. اخرجوا.. دوروا فى الجنبات.. ابحثوا.. ليست هذه هى الوجوه.. ليست هذه هى الهدف..
: الأمارة يا أمير.. دليل العثور عليها..
الأمير يفكر.. "فى رأس الأمير خيال" هو يستعيده الآن، الثدى المتدلى، الشفاه المرتعشة..  يعمل خيال الأمير بهمة ونشاط.. يشير على بطانته.
-لا أذكر سوى الثوب المتأكل، والثدى المتدلى..
يأتى رسام القصر، يدخل رأس الأمير بألوانه وينقل خيال الأمير إلى الورق.
-وزعها على كل من فى القصر..
من رأى هذه الثياب، من رأى هذا الثدى ليتقدم للأمير.. الوجوه تحار، لم نر هذا الثوب، هذا البؤس.. رغم تشابهه مع بؤس العيون والوجوه والقلوب لأغلب سكان القرية.. الأمير يحار.. يهرب من حفله، يسارع إلى الحقل حيث الخيال.. هناك لمحها شجرة فى أرض، ترمى أوراقها حول جذعها لتخفى الثدى.. ذهل الأمير..
-لماذا لم تأتى الحفل؟
اشارت إلى ثيابها.. "ما له الثوب.. هو مبتغاى".. استدعى الأمير ساحرته العجوز من حدودته.. أمرها أن تقنع سندريلا بالحضور، تعدها بالهناء والسرور... لم تلبسها فستانا جديدا، لم تضع فى قدميها حذاء ذهبيا فالأمير يشتهى ثوب البؤس بقدر اشتهائه لحمها، فقط اسمعتها معسول الكلام.. سندريلا مسلوبة العقل ذهبت إلى الحفل.. زادت الأضواء.. زادت البهجة.. انتشى الأمير.. غلبه فرحه فنام.. عندها بدت سندريلا فى صورته حزينة،  شجرة دون أوراق.